| تطوّر الكتابة في الشرق القديم   عدد القراء : 604   . قحطان بيرقدار لا شك في أن الحديث عن الكتابة وتطورها لدى الأمم والحضارات عبر العصور حديث ذو شجون، يختلط فيه الذاتي بالموضوعي والروحي بالعقلي، ويأخذ القلم إلى آفاق لا نهاية لها في تاريخ الحضارة الإنسانية على وجه الأرض وفي هذا المقال، سأتناول الكتابة من وجهة نظر تاريخية علمية وفي الشرق القديم على وجه الخصوص... فأقول: إن الكتابة هي تصوير فكر الإنسان بوساطة مصطلح على مادّة ملموسة وقد وُجدت الكتابة في زمن واحد تقريباً، نحو سنة 3000 ق.م في بلاد الرافدين وفي مصر. لأنّ نموّ وسيلة الاتصال التي هي الكتابة ارتبط طبيعياً بنمطٍ منَ المَدَنِيَّةِ تَضمَّنَ مجتمعاً منظّماً ومركّباً ومنوّعاً ومركّزاً. وعادت أوّل الكتابات في مصر إلى سنة 3150 تقريباً . تطوّر الكتابة في مصر وبلاد الرافدين: ارتبط تطوّر الكتابة في مصر وبلاد الرافدين بالمواد المستعملة لرسم الكتابة فمن جهةٍ نجدُ الطين الرخو وقَلماً من قصبٍ أو خشبٍ بُري بشكل دائرة (ليكتب الأرقام في الزمن القديم)، ثمّ بشكل مثلّث (من هنا علامات بشكل مسمار). ومن جهة ثانية نجد لوحات الخشب وقطع الفخار ولفيفة البردي مع ريشةٍ وحبرٍ أسود أو أحمر. في بلاد الرافدين استُعمل الطين الرخو، فكان من الصعب أن نرسم الخطوط المقوّسة. فحلّت محلّها سلسلة من خطوط مستقيمة. حين تُرسم بداية الخط يغرز القلم فيعطي الخط شكل مسمار أفقي أو منحنٍ (من أعلى إلى أسفل أو من أسفل إلى أعلى) أو عمودي (من أعلى إلى أسفل)، أو شكلَ رأس مسمار لهذا سمّيت هذه الكتابة (بالكتابة المسمارية): كُتبت أوّلاً في عواميد (من أعلى إلى أسفل ومن اليمين إلى الشمال). ثمّ وّلت سنة 2600 تقريباً، فكُتبت بطريقة أفقية (من الشمال إلى اليمين). وظلّت الكتابة المسمارية تتطوّر على مدى ثلاثة آلاف من السنين. وعرفت الكتابة الهيروغليفية تاريخاً طويلاً بدأ بنهاية الألف الرابع ق.م، وسميّت بالكتابة الهيروغليفية، وكانت تكتب من اليمين إلى الشمال. أمّا ترتيب العلامات (أو الصور) فيتكيّف مع النصب الذي يكتب عليه. كما استعمل كَتَبة مصر في لفائف البرديات خطاً جرّاراً سُمّي بالخط الهيراتي الذي تميز بتبسيط العلامات، وباستعمال الربط، وبوضع علامات الوقوف. وأصبح ابتداءً من القرن السابع ق .م الخطّ الشعبي (ديموتي) الذي استُعمل في العقود ونصوص الإدارة المدنيّة اليومية. أنماط مختلفة من الكتابات: ترتبط تقنية وفن الكتابة بالمواد المستعملة، ونحن نستطيع أن نميّز طريقتين للكتابة في الشرق الأوسط القديم: الطريقة الأولى: وهي الكتابة على الطين، وقد ارتبطت بالكتابة المسمارية في بلاد الرافدين، والطين مادة نجدها في كل مكان، وإذا جُفِّفَ الطين حُفظت الكتابة حفظاً جيداً. وقد وصل إلينا نحو نصف مليون لوحة منها اكتُشفت في حفريات في أماكن مختلفة من الشرق القديم. الطريقة الثانية: وهي الكتابة على ورق البردي أو الجلد، وذلك بوساطة القلم أو الريشة والحبر، وقد توسّعت هذه الطريقة في مصر. ومنذ القرن الثامن عشر الميلادي مروراً بالقرن التاسع عشر وحتى وقتنا الحاضر تم اكتشاف مئات الآلاف من الألواح الفخارية والحجارة التي نقشت عليها كتابات هيروغليفية وكتابات مسمارية. وتساعد هذه النقوش المعروضة في شتى أنحاء العالم العلماء والباحثين على إثراء معرفتهم ومن ثم معرفتنا بالتاريخ البشري القديم. وقد شكَّلَ نُموُّ الكتابة أداةً خارقةً للاتّصال بين الناس، وهي لا تتيح فقط نقل الفكر بين إنسانين تفصل بينهما مسافة كبيرة أو صغيرة، ولكن بين فترتين تفصل بينهما آلاف السنين (5000 سنة تقريباً). إنّ الشعوب التي لا كتابة لها، هي شعوب من دون تاريخ، والتاريخ يبدأ مع الوثائق المكتوبة. فإذا غابت الكتابة، صارت معرفة المدنيّات القديمة في خانة (ما قبل التاريخ).
|