هذه الصورة هي واحدة من مئات الصور المؤلمة التي تقع في العراق
جاسم الشمري
حدثني أحد الأصدقاء أن أخاه اعتقل قبل أكثر من عامين، ثم بعد دفع هدايا وعطايا إلى هذه الجهة وتلك وافق بعض السادة في الأجهزة الأمنية على إيصال أوراقه إلى المحكمة، وقرر القاضي الإفراج عنه لعدم كفاية الأدلة، وإخلاء سبيله فورا.
وفعلا أفرج عنه، وجاءت زوجته وابنته إلى المعتقل؛ لاصطحابه إلى البيت، وخرجوا من البوابة الأولى للمعتقل، وعند البوابة الثانية أوقفهم الحرس، وقال لهم أحد الحراس إن الضابط الفلاني يقول إن فلانا إرهابي، ولا يمكن الإفراج عنه، وأنا المسؤول هنا، وليضرب القاضي رأسه بالحائط، ثم قال لهم بالحرف الواحد قولوا لأهله عليكم أن تنسوا أن لديكم ولدا اسمه فلان، ولم تنفع توسلات وصراخ زوجته وابنته في تحريك عواطف الضابط المحترم، وليعودا إلى البيت وقد ضاقت عليهم الدنيا بما رحبت.
هذه الصورة هي واحدة من مئات الصور المؤلمة التي تقع في العراق الديمقراطي الجديد، وبعد الحادثة بثلاثة أيام طلّ علينا السيد نوري المالكي رئيس الحكومة الحالية خلال حضوره ندوة مجلس القضاء الأعلى حول تطوير الأدلة الجنائية، وتحديدا بتاريخ 2009/12/26ليقول لنا إن القضاء الرادع عنصر مهم في منظمة الأمن العراقي، لما يتعرض له البلد من هجمات، وعمليات قتل لدوافع سياسية وطائفية.
وهذا الكلام حينما يسمعه الذين لا يعرفون ماذا يجري على أرض الواقع يمكن أن يقتنعوا به، إلا أن الواقع هو متناقض مع هذه الطروحات تماما، وهذا ما أكدته لجان وهيئات حكومية، فبعد يومين من كلام السيد نوري المالكي، ذكرت هيئة النزاهة العراقية ـ وهي هيئة حكومية ـ في تقرير جديد لها، أن هنالك المئات من أوامر الاعتقال بحق مسؤولين، يشتبه بتورطهم في قضايا فساد العام الماضي، لكن لم يُدَنْ سوى قليل منهم، وأن بعض المشتبه بهم فروا، في حين حظي البعض الآخر بحماية مسؤولين أقوياء، أو قانون العفو الذي يهدف إلى تعزيز المصالحة الوطنية، وأنه صدر نحو (630) أمر اعتقال ضد مسؤولين عراقيين يشتبه بضلوعهم في قضايا فساد العام الماضي، أغلبهم موظفون بوزارة الداخلية، لكن (97) شخصا فقط أدينوا، وأن مسؤولين كبارا أغلقوا (135) قضية، يشتبه بأنها قضايا فساد تشمل (211) شخصا، أغلبهم من وزارة النفط، وجرى التغاضي عن (1552) قضية أخرى.
تاريخياً، يعد القضاء العراقي من الأجهزة العريقة في العالم العربي والشرق الأوسط، ولا يمكن لمثل هذه الجهود التخريبية أن تزعزع ثقة الناس بهذا الجهاز الحيوي للحياة؛ لأن القضاء هو الحارس الأمين للجميع، فالفقراء والضعفاء ملاذهم الأول والأخير إلى الحاكم العادل الذي ينصفهم، وهذا الكلام حقيقة لا وجود له في عراق اليوم، وحتى الساعة تتحكم القوة المليشياوية بأجهزة القضاء وغيرها، وحاولت ـ ومازالت ـ هذه الأجهزة التدميرية تسييس القضاء العراقي ليخدم أهدافها التخريبية الغريبة عن تركيبة مجتمعنا، وإلا فإن القضاء يفترض أن يكون هو الحكم بين الجميع، بين الوزير والخفير، وبين الغريب وصاحب الدار، هكذا.
أما محاولات الحكومة إظهار احترامها لهذا الجهاز المهم؛ فإنه من باب الدعاية الانتخابية لا أكثر، ولا أقل؛ وذلك لأن كل العراقيين يعرفون أن القضاء العراقي دُفع إلى ميدان لا يرغب في الولوج إليه، إلا أن سطوة المليشيات دفعت البعض من القضاة للقبول بمثل هذه الأدوار في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ العراق المحتل.
ومما لا خلاف عليه بين العقلاء، أن البلاد التي لا يشعر فيها الإنسان، أن هنالك قضاء منصفا يأخذ بحقوقه من القوي الظالم، لا يمكن أن تنهض بأي حال من الأحوال أما مصير صاحبنا الذي ذكرناه في بداية المقال، فإنه ما زال قابعاً في دهاليز وزارة الداخلية، وهو يعاني من ارتفاع مستمر في ضغط الدم، والجرب ومشاكل في الكليتين؟ أرجوكم لا تحسدونا على هذه النعم؟.