الصيادة القاتلة هدية (إسرائيل) إلى أطفال العراق   عدد القراء : 790   .


هيفاء زنكنة

كلما وقع انفجار جديد في العراق في أحد ايام الاسبوع التي باتت ترتدي الحداد، يتزايد عدد التصريحات والاكاذيب الرسمية حوله. وكلما ازداد عدد الضحايا الابرياء، ازداد حجم التضليل الاعلامي المحيط بالحدث المأساوي.
وفي غياب التحقيق المستقل وانعدام القانون وتشخيص الفاعلين وتقديمهم الى القضاء، تبقى ارواح الضحايا مجرد اوراق لعب دعائية بيد المستعمر ومستخدميه، حيث اصبح للاستنكارات اللفظية نمط معين قلما يحيد عنه ساسة الاستعمار الجديد غايته اخفاء الحقيقة وتصنيع كذبة لتغطية الجرائم البشعة. وما توجيه الاتهامات السريعة المكررة اثر كل انفجار بشع تشهده مدن العراق غير واحد من طاقيات اخفاء الحقيقة وطمر المسؤولية. يبدأ حجب الحقيقة، عادة، بتصريح لمسؤول عسكري أمريكي يلقي فيه اللوم اما على القاعدة او ايران، حسب متطلبات شخصنة العدو في المرحلة الراهنة. يليه تصريح حفنة من الساسة العراقيين ثم سكرتير الامم المتحدة والبرلمان الاوربي ورؤساء وزراء بريطانيا وفرنسا وروسيا وتركيا. وتتنوع الاتهامات الموجهة نحو الجناة حسب مصلحة المتحدث وبلده، واذا كان عراقيا، حسب موقع حزبه الطائفي او العرقي. ففي تفجيرات يوم الاربعاء 19 آب/ 2009، اتهمت السلطات البعثيين والمتطرفين، فور سماع الخبر وقبل ان يصل احد المسؤولين الى مكان الحادث او اجراء التحقيق. واستنكر الاتحاد الاوروبي سلسلة الاعتداءات العنيفة. وقال الامين العام للامم المتحدة (بان كي مون) انه يشعر بالحزن الشديد بسبب التفجيرات المروعة. كما قامت تركيا بادانة الهجمات. ولم يتوان قادة وزعماء العالم عن ادانة التفجيرات الارهابية التي تم تصنيفها وبسرعة لا مثيل لها ضمن الحرب المشتركة على الارهاب. هذه الادانات والاستنكارات الجاهزة المنبعثة بالكيلو، لم تتجاوز ومنذ بدء الاحتلال الانجلو امريكي في 2003 مرحلة الخطاب الاستعراضي ولم تتعداه الى ما هو مألوف ومعتاد حكوميا وقانونيا في بقية انحاء العالم، حيث يتم اجراء تحقيق فوري لمعرفة اسباب اي حدث، يمس حياة المواطنين او الامن العام، مهما كان حجمه. وتقوم الدنيا ولا تقعد اذا لم تنشر نتائج التحقيق ولم تتم معاقبة المسؤولين. كما قد تؤدي بعض نتائج التحقيقات الى استقالات فردية او جماعية لوزراء في الحكومة. ولأن ازدواجية المعايير هي المسطرة التي يتعامل فيها قادة وزعماء العالم والمنظمات الدولية، بالتحديد الامم المتحدة، ولأنهم يتصرفون وفق معيارين مختلفين لـ الديمقراطية، فما هو مرفوض في البلدان الغربية وبشكل مطلق، مقبول ومألوف في دول العالم الثالث الديمقراطية، كالعراق، مبررين ذلك بأن العنف جزء من طبيعة المجتمع وثقافته. لذلك ولاسباب سياسية واقتصادية اخرى، لا يقوم أي من زعماء وقادة العالم بمساءلة الطالباني او المالكي او الجعفري او علاوي من قبلهم، او اي مسؤول حكومي من واجبه، المفترض بديهيا، حماية حياة المواطنين وأمنهم. بينما يعمل المسؤولون، بتصريحاتهم الجاهزة لاسباب سياسية بحتة تستند إلى روح الانتقام وخلافات الاستئثار بالسلطة والفساد، على استدامة الجرائم ضد المواطنين. ويلاحظ بان التصريحات السياسية وعدم اجراء التحقيق المستقل، او الاعلان المجاني عن تشكيل لجنة تحقيق ثم تقديم مجرم ما، يكاد يعترف بانه هو الذي فجر نفسه في كل الاماكن في العراق، تحولت الى نكتة سمجة تهدف الى توجيه الانظار بعيدا عن المسؤول الحقيقي على الرغم من شهادات المواطنين المتواجدين في اماكن التفجيرات والقلة النادرة من الصحافيين القادرين على الاقتراب من الاماكن، خاصة بعد حملات اسكات الصحافيين المنظمة عن طريق الاغتيال والاعتداء والاعتقال والترويع، اذا ما حدث وطرحوا الاسئلة عن مجريات الامور وعن الجناة الحقيقيين.
ويبدو التعتيم بافضل صوره في التصريحات الرسمية حول التفجيرات الدامية في 2009 والتي جاء الاتهام فيها جاهزا. فهو من افعال حزب البعث المقبور حسب بيان رئاسة الوزراء في نيسان2009. بينما اتهم النائب (نصير العيساوي) في تصريح نادر الاجهزة الاستخباراتية التابعة لقوات الاحتلال الامريكي في التفجيرات التي شهدتها العاصمة بغداد سعيا منها لعرقلة انسحابها من العراق. ويلاحظ بان معظم ساسة حكومة المستعمر يتعاملون بانتقائية عالية، تتماشى مع مصلحتهم الخاصة، فيما يخص قوات المستعمر التي يعلن أن عددها الآن بات 120 ألفا وقوات المتعاقدين (أي المرتزقة) البالغ عددها 160 ألفا، والذين تزايد عددهم بنسبة 28 بالمئة (أي أكثر من 35 الفا) مع انسحاب 10 آلاف من القوات الامريكية النظامية المرحلة الى افغانستان. يتعامون عن الوظيفة الاستراتيجية للمتعاقدين كآلة قتل يومي ضمن صناعة الحرب، تتغذى على ديمومة البقاء الاستعماري كمصدر للعيش والرزق، بمختلف الاساليب المتوفرة لديها وأولها الارهاب وترويع السكان من عبيد الرمال حسب تسميتهم لنا. ويمكن اعتبار الانفجار في مدرسة أبي ذر في مدينة الصدر (الثورة)، في 7 كانون الاول الحالي، نموذجا كلاسيكيا في التضليل السياسي والاعلامي المتداخل. فقد اعلنت قيادة عمليات بغداد بان الانفجار الذي راح ضحيته ثمانية اشخاص بينهم ستة اطفال من التلاميذ، قتلوا واصيب 41 اخرون بينهم 25 تلميذا وثلاثة مدرسين سببه عتاد للمجاميع الخاصة وانه وقع عند مدخل المدرسة، الساعة التاسعة صباحا.
ونقلت وكالات الانباء بان تسمية المجاميع الخاصة تطلق على المتطرفين الشيعة الذين تتهمهم الولايات المتحدة بالعمل لحساب ايران. وعند قراءة الخبر وتعليقات المسؤولين الذين لم يهتم احد منهم باجراء تحقيق في الجريمة يتبين حجم التناقض الكبير بين الجهات المصدرة للتصريحات وشهود العيان واحد التقارير الصحافية الى حد الاختلاف حول الزمان والمكان. حيث قال احد الضباط ان السبب هو متفجرات مدفونة عند مدخل المدرسة، انطلقت اثر قيام عمال تنظيف بحرق نفايات، وادى الانفجار الى حدوث حفرة قطرها حوالي اربعة امتار. بينما قال الناطق باسم غرفة عمليات بغداد بأن مدير المدرسة كان يقوم بحرق النفايات عندما حدث انفجار لعبوات ناسفة كانت مخبأة تحت المكان. ويذكر الصحافي (وائل نعمة) في تقرير مصور له عنوانه انفجار مدرسة الإباء في مدينة الصدر... من يكشف الحقيقة ويعاقب القتلة؟ بان الانفجار وقع قرب (سياج) ابتدائية الاباء للبنات المدمجة مع ابتدائية (ابو حذيفة) للبنين. مشيرا الى ان سبب الانفجار بدا مجهولا ايضا واختلفت التفسيرات حول سبب الانفجار فالبعض يعتقد بأنه صاروخ والآخر يقول عبوة والآخر يقول تفجير انتحاري. وينقل الينا الصحافي: ان الانفجاركان بسبب مواد شديدة الانفجار مدفونة تحت الارض او ربما صاروخ وقع على المدرسة ولا احد يعلم السبب، حسب قول مدير المدرسة. وهي مسألة محيرة خاصة وان المدير، حسب القصة الرسمية، هو الذي قام بحرق النفايات! وتزداد الصورة تناقضا مع بيان غرفة عمليات بغداد حين يلتقي الصحافي (بجاسم محمد)، معاون مدير المدرسة، ليخبرنا بأن الاستاذ جاسم يجزم بأن الانفجار كان سببه صاروخ سقط قرب جدار المدرسة الخارجي...رافضا بالوقت نفسه فكرة ان يكون الانفجار حصل نتيجة قيام المدير بجمع النفايات وحرقها مما اشعل فتيل مواد شديدة الانفجار كانت مدفونة تحت الارض.
وقد لوحظ، في العامين الاخيرين، ازدياد اشارة شهود العيان الى ان مصدر التفجيرات هو الصواريخ واثارة الشك بصحة التصريحات الرسمية عن السيارات المفخخة والانتحاريين، خصوصا مع وجود الحفر العميقة الناتجة، عادة، اما عن الصواريخ او انفجار ما يتجاوز مئات الكيلوغرامات من المتفجرات. ولعل ما يستحق البحث والمتابعة، ولن اقول التحقيق الفعلي لانعدامه مع وجود سلطات المستعمر، هو النظر في تزامن هذه الشهادات مع ازدياد استخدام جيش المستعمر للصواريخ التي يتم اطلاقها من الطائرات بدون طيار المتحكم بها عن بعد. وقد ازداد اعتماد القوات الامريكية عليها، في العراق، خلال العامين الاخيرين، للقيام بمهام الرصد وتحديد الأهداف والقتل، تقليلا للخسائر البشرية التي يعانون منها نتيجة ضربات المقاومة الباسلة. ويصل معدل طلعات طائرة البريديتور من 14 الى 18 طلعة في اليوم الواحد، محلقة خلال العشرة الاولى من 2008 لمدة 300 ألف ساعة.
وقالت صحيفة واشنطن تايمز، في آذار 2008، إن من بين هذه الطائرات القاذفة MQ-9 أو ما تسمى ريبر التي تستطيع حمل 14 صاروخاً، أو اربعة صواريخ هيلفاير و قنبلتين بوزن 500 رطل للواحدة منهما، أي ضعف قدرة الطائرة التي تسبقها. وتوصف ريبر بانها صيادة وقاتلة، وتمت تجربتها للمرة الاولى في العراق في تموز2008. وكانت صحيفة (هآرتس الاسرائيلية) قد كشفت بأن  الجيش الامريكي وقوات التحالف يستخدمون ومنذ عدة سنوات طائرات اسرائيلية الصنع بدون طيار لتنفيذ مهمات في العراق وافغانستان... وهي من نوع هانتر التي ينتجها مصنع ستارك التابع للصناعات الجوية الاسرائيلية.
ومن المعروف ان الصواريخ يتم توجيهها نحو الهدف إلكترونياً باستخدام أشعة الليزر. كما تستخدم لتوجيه العبوات الناسفة وتفعيلها بعد وضعها من قبل عملاء الاحتلال. وهي الطريقة المفضلة لدى الكيان الصهيوني في حملات الاغتيال والتفجيرات في الاماكن المكتظة بالناس.
فهل من المستبعد، اذن، التوسع في استخدام هذه الطائرات القاتلة التي يصفها صانعوها بانها غير مرئية وغير مسموعة ولا يمكن الاستدلال عليها، خاصة بعد تطوير حاويات قذائفها بحيث تكون قابلة على التفسخ الذاتي بعد الإنفجار اثر استهداف الاماكن السكنية داخل المدن؟ والآن، خصوصا بعد أن اكتشف العدو إختراق المقاومة العراقية لأجهزة التصوير والتوجيه للطائرات بدون طيار، تزداد الحاجة للتحقيق الجاد المستقل لتشخيص الجناة الحقيقيين بدلا من اتهام شعبنا بالعنف والجريمة. وعلينا، جميعا، المساهمة في كشف الأكاذيب وتوثيق الجرائم، ورفض تجريم شعبنا وقواه الحية.