الأمثال القرآنية   عدد القراء : 694   .
عبد الرحمن فاضل
الحلقة (37)
في حلقة الامثال هذه سنقف سويةً مع سورة مدنية أخرى، وهي سورة(الجمعة) المباركة، والتي تناولت جانب التشريع، ودارت حول محور صلاة الجمعة؛ تلك الشعيرة العظيمة التي تجمع المسلمين صفاً واحداً أمام ربّ واحد.
ومثلنا منها ينطوي تحت الآية(5) إذ يقول تعالى:(مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ).
في التناسب بين هذا المثل والآيات من حوله نقول:
إن الله تعالى بعد أن بيّن أنه آتى فضله قوماً أميّين، اعقبه بأنه قد آنى فضله أهل الكتاب فلم ينتفعوا به، وحمّلوا التوارة دون فهم، يحسبون أن ادخار الأسفار وانتقالها من بيت الى بيت كاف ليتبجحوا بها، وهو تحقير لمن لا يملكون التوارة بأيديهم، والمراد بهم(اليهود) الذين حاربوا دعوة النبي(صلى الله عليه وسلم) وظاهروا المشركين. فقد مثل الله حالهم بحال الحمار يحمل ما لا حظ له منه إلا التعب. ولنرجع الى التفسير لنفهم ذلك أكثر؛
يقول تعالى:(مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ) أي صفتهم السائرة في الأرجاء، وهي عجيبة بما عهد إليهم وكلفوا بها في التوارة. وهنا الحمل المقصود به(العمل والكفالة والضمان) وليس هو من الحمل على الظهر. والمعنى:(ضّمنوا أحكام التوارة ولم يضمنوها ولم يعملوا بها) قال الأصمعي:(الحمل، الكفيل، فهؤلاء اليهود ألزموا التوارة على لسان موسى- عليه الصلاة والسلام- بأن علمهم إياها سبحانه وكلفهم حفظ ألفاظها عن التغيير والنسيان ومعانيها عن التحريف والتلبيس وحدودها و أحكامها عن الإهمال والتضييع) وقد عبّر سبحانه هنا بـ(الحمل) بصيغة المبني للمجهول فقال(حُمِّلُوا) لأن العلم(لاسيما الرباني) منه يجب أن يفرح به ويرغّب فيه، وأيضاً صيانة لاسم الجلاله الشريف عن أن يذكر عند العصيان.
أما جواب الضالين فهو(ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا) إشارة الى البعد الشاسع الواسع عن آيات الله عزوجل بعد كل هذه المكرمات لهم، فقد حفظوا ألفاظها، ولم يعملوا بما فيها من الوصايا باتباع الأنبياء من بعد موسى(عيسى ومحمد صلى الله عليهم وسلم جميعاً) وبذا تكون ضارةّ لهم وقاذفة لهم في النار هي مثواهم. وليس هذا فقط، بل حالهم تلك أشبه وأقرب الى أبلد المخلوقات(كَمَثَلِ الْحِمَارِ) والتعبير بهذا الحيوان لهم دلالة على زيادة الجهل والبلادة والعمى. يقال: هو أكفر من الحمار، أي أجهل؛ لأن الكفر ضد الجهالة، فالتشبيه هنا لزيادة التحقير والتوبيخ والإهانة وكما قيل :
   تعلمّ يافتى فالجهل عار         ولا يرضى به إلا حمار
ثم قال سبحانه:(يَحْمِلُ أَسْفَاراً) الأسفار: الكتب الكبيرة المسفرة، أي الكاشفة عما فيها. وقيل هي التوارة، وقد روى ذلك الطبري عن أبن زيد- رحمه الله- فالمعنى يكون: مثلهم كالحمار يحمل على ظهره كتباً من العلم لا ينتفع بها ولا يعقل ما فيها، فكذلك الذين أوتوا التوارة؛ التي فيها بيان صفة(محمد-صلى الله عليه وسلم-) إذ لم ينتفعوا بما فيها كحال الحمار، ليس له منها إلا التعب.
و وجه الشبه هنا هو حرمان الإنتفاع بما هو أبلغ شيء في الإنتفاع مع الكد والتعب، والوبال والحجة على حامليه.
وقد جيء بذكر(الأسفار) هنا؛ للدلالة على(التوارة) ليعلم أن التوارة وإن كانت تكشف عن معانيها، وتحقق ما فيها إذا قرئت، فالجاهل لا يكاد يفقهها ويتبينها كالحمار الحامل لها. كما أن المراعاة اللفظية موجودة إلى جانب المراعاة المعنوية، ففي لفظة(حمار وأسفار) تناسق لفظي لا يوجد إلا في كتاب الله العزيز.
ثم إن حالهم(بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ ) أي: ساء حال الذين كذبوا بكتاب الله تعالى، فقد ضمُّوا الى جهلهم بالكتب تكذيباً بآيات الله وهي الآيات الدالة على صحة نبوة محمد(صلى الله عليه وسلم) وهو قول- ابن عباس ومقاتل. وقيل التوارة.
ونختم الآية الكريمة بهذه التبصرة الإلهية التي كتبها الله تعالى إذ يقول:(وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) أي: لا يوفقهم للخير، ولا يرشدهم للإيمان؛ لأنهم ظلموا أنفسهم أن كفروا، ولا أعظم من هذا ظلم فقد وضعوا أنفسهم في مكان لا يجب أن يكونوا فيه. قال عطاء- رحمه الله- :(هم الذين ظلموا أنفسهم بتكذيبهم الأنبياء) وليس هناك اكذب، منهم فمن كذّب بآيات الله وصدف عنها هو في الخسران المبين، ألا بعد للقوم الظالمين.
                                   وللحلقة بقية...