إشكاليات الثقافة العربية في عصر العولمة   عدد القراء : 458   .
هشام أسامة منور
لا يزال مفهوم العولمة يثير جدلاً واسعاً ونقاشاً صاخباً بين المثقفين والمفكرين الاجتماعيين والاقتصاديين، بدءاً من تحديد المعنى، ومدى مشروعية الأطروحات في عالم اليوم المتسارع الخطى ، ومروراً بتحليل العولمة كظاهرة تحمل في طياتها أبعاداً متداخلة ذات تأثيرات متباينة على شتى بقاع العالم، وعلى الرغم من التناول الواسع النطاق الذي يجري في العالم وعلى كافة المستويات، إلا أن المفهوم ذاته ما زال يكتنفه الغموض عند البعض، والتشويش عند البعض الآخر، وربما يرجع ذلك في جانب كبير منه إلى التعامل مع تلك الظاهرة بقطع ويقين لا يتناسب وطبيعة تلك الظاهرة المدروسة، فإما أن نرفضها وننبذها بشكل كامل وإما أن يؤيدها ونهلل لها ونبشر بها في محافلنا ومجتمعاتنا، متناسين أن العولمة قد تحولت إلى قوة فاعلة في النظام الدولي المعاصر، بل أصبحت قوة فعلية مؤثرة في حياة البشر، وذلك على إثر التحولات الكبرى التي شهدها العالم أجمع منذ مطلع التسعينات، إذ حدث انقلاب هائل وثورة عارمة غيرت من ثوابت الفكر وتوجهاته واستراتيجيات التنمية والتخطيط على كافة المستويات، وأدى تفكك الاتحاد السوفيتي وإنهاء الحرب الباردة وظهور مقولات (نهاية التاريخ) و(صدام الحضارات) إلى تبلور شكل جديد لنظام دولي لم تتحدد ملامحه بعد، إلا أن ما لا شك فيه أنه يمثل حركة متسارعة وقوة فاعلة ومؤثرة في العلاقات الدولية، ولأجل تشخيص الواقع وأزماته كان لابد من تحليل ظاهرة العولمة، واكتناه ميكانزمات النظام الدولي الجديد، وهو ما حاول الكاتب النهوض بعبئه في هذا الكتاب فهو يصوغ الغاية من هذا الكتاب على صورة تساؤلات تطرح نفسها بقوة وخاصة في دول الجنوب الفقير ما تأثير العولمة على أوضاع هذه الدول وعلى مستقبلها؟ أين التراث من عولمة الثقافة؟ ما أكثر تجليات العولمة وما هي تحدياتها التي تواجه الدول غير القادرة على المنافسة في ظل حضارة السوق؟ ما الدور الحقيقي الذي تقوم به الشركات العملاقة عابرة القوميات في عولمة اليوم؟ هل يبقى لفقراء العالم مكان على الخريطة الكوكبية الجديدة؟ أين الهوية الوطنية في ظل إعادة صياغة إنسان كوني؟ لماذا وكيف تصبح الثقافة الأمريكية هي الثقافة الكونية على مستوى العالم؟ ما مواطن القوة فيها وما مواطن الضعف في الثفافات الأخرى؟
يضم الكتاب ست دراسات حول موضوع إشكاليات الثقافة العربية في زمن العولمة، ويبحث الكاتب في الدراسة الأولى ظاهرة العولمة وموقفها من الثقافة الوطنية انطلاقاً من رؤية نقدية فيعالج قضية معايشة الإنسان العربي المعاصر لعالمين متناقضين بحواملهما الثقافية غير المتكافئة ثقافة تراثية مفعمة بالمواطنة الأصلية وأخرى عولمية تغريبية تسلبه الأولى وتدفعه نحو عصرنة فردية كوكبية مصطنعة. ولا يجد الكاتب بُداً من التساؤل حول ماهية العولمة في ظل نظام عالمي لم تتحدد ملامحه بعد، فيرى أن شعار جيران في عالم واحد هو شعار توثيقي لنظام جديد آخذ في التشكل ترتسم فيه معالم طريق يقود الدول إلى تخيل بنائي كقرية كونية صغيرة، فما العولمة إذن سوى نظام قديم في ثوب جديد أكثر إحكاماً وبرغم أنه يبدو أن العولمة هي دعوة جديدة إلا أنها لا تختلف كثيراً من حيث سياستها وأهدافها وأيديولوجيات الداعين إليها عن السياسات التي ميزت البدايات الأولى للنظام الرأسمالي إبان مرحلة الثورة الصناعية. فالعولمة بهذا المعنى لا تعدو أن تكون عملية تاريخية تحكم تفاعلاتها مجموعة من القيم لدول عظمى في مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية التي تسعى بشتى الطرق لتسويق نموذجها الحضاري في الاقتصاد والسياسة والثقافة بمفرداتها المعروفة.
وعلى الرغم من ذيوع مفهوم العولمة وانتشار تداوله بين المثقفين إلا أن الغموض لا يزال يكتنف هذا المفهوم في الخطابات المعاصرة بحيث تعجز تلك الأخيرة عن صياغة فهم دقيق لما يعنيه ذاك المفهوم كعملية ثلاثية الأبعاد والمستويات (اقتصادية وسياسية وثقافية).
بيد أن قراءة وتحليلاً متأنياً لأدبيات الفكر المعاصر سوف يقودنا إلى الاعتقاد بأن العولمة ما هي إلا تعبير عن أزمات وتناقضات يمر بها النظام الرأسمالي ذاته (أزمة في الداخل) وأزمة الشعور بفقدان الذات المركزية داخل المركز الرأسمالي ذاته وبهذا المعنى فهي صياغة جديدة لإعادة المركزية الرأسمالية في ثوب جديد أو مستحدث، ومحاولة لنشر حضارة السوق المعولمة، وهي بذلك تعبر عن سيادة نمط التشيؤ حيث العمل على تحويل كل شيء إلى سلعة متداولة في السوق لصالح قوى حرة جديدة عابرة للقوميات.
وفي سبيل تحقيق أهدافها لا تتوانى العولمة عن استخدام آليات (ميكانزمات) معينة لتعميق توجهاتها وتأثيراتها في العالم، كربط العولمة بحركة تداول راس المال الاقتصادي وإزاحة العملية السياسية في المجتمعات التقليدية لصالح الفئات الأقدر على توجيه مسارات الإنتاج والمال والتجارة والاستثمار لصالحها، وربط أجزاء العالم على الرغم من تباعدها وانفصالها بروابط عدة حتى تحول العالم إلى قرية كونية صغيرة، وبلورة ثقافة عالمية تتسم بسمات خاصة تستفيد منها الفئات المسيطرة على العمليات الاقتصادية والسياسية والإعلامية، والعمل على تراجع دور الثقافة الوطنية التقليدية في مواجهة ثقافتها وذلك بالاعتماد على التقنيات الحديثة وبخاصة في مجال تدفق المعلومات، على طريق تشكيل قيادة عالمية تستحوذ النفوذ والقوة وتكون قادرة على توجيه عمليات التحول الاجتماعي المطلوبة.
وفي ظل صراعها مع الهوية الوطنية تسعى العولمة إلى تكريس الثقافة الاستهلاكية وترسيخها في ظل آليات الهيمنة العالمية إذ تحولت تلك الثقافة إلى آلية فاعلة لتشويه البنى التقليدية وتغريب الإنسان وعزله عن قضاياه وإدخال الضعف لديه والتشكيك في جميع قناعاته الوطنية والقومية والأيديولوجية والدينية وذلك بهدف إخضاعه نهائياً للقوى والنخب المسيطرة على القرية الكونية وإضعاف روح النقد والمقاومة عنده حتى يستسلم نهائياً إلى واقع الإحباط فيقبل الخضوع لهذه القوى أو التصالح معها.
فللعولمة تجليات متعددة متشابكة الأبعاد والمستويات الاقتصادية والسياسية والثقافية وتأثيراتها الثقافية هي الأخطر حيث يتم فرض ثقافة خارجية ليست وليدة تفاعلات بين الحضارات والمذاهب المتباينة.
وتطرح الدراسة الثانية قضية أمية المثقف العربي: الإبداع وأزمة الفكر السوسيولوجي، وإذا كان من الصعوبة بمكان تحديد مصطلح الثقافة والمراد منه، فإن مرد ذلك يرجع إلى محاولة المثقفين وضع خصائص ورسم سمات أغلبها مثالية لخصائص ذواتهم في سياق تحديدهم لمفهوم الثقافة والمثقف والمفترض أن تتمحور إسهامات المثقفين والباحثين حول تحديد الدور الذي يقوم به هذا المثقف في مجتمعه وإن السؤال الذي يجب أن يهتم به من يبحثون في هذا الشأن هو: هل كان إنسان يقوم بدور المثقف. فأزمة الفكر العربي هي تعبير عن أزمة تشوه اجتماعي كانت لها آثار كبرى في تكديس التخلف في هذا الجزء المهمش من العالم والمجتمع العربي بلا جدال جزء منه وعليه فإن الاهتمام المتزايد بقضايا الثقافة العربية المعاصرة والمثقف العربي هو أشبه ما يكون بعملية استعادة للذات المفقودة في إطار الكل الاجتماعي.