| آخر القول :   عدد القراء : 7146   . مأساة الفلسطينيين في العراق
أ.د. حارث سليمان الضاري يبدو أن مآسي الفلسطينيين متواصلة منذ مأساتهم الاولى باحتلال بلدهم فلسطين من قبل الصهاينة الغاصبين عام 1948 ولجوء اعداد كبيرة ممن احتلت مدنهم وقراهم الى عدد من الدول العربية، ومنها العراق حيث حمل الجيش العراقي بعد عودته من تلك الحرب الخاسرة نحو ثلاثة الاف نسمة منهم من أهالي قرى جنين وما حولها من الذين لجأوا اليه وأتى بهم الى العراق واستقبلهم العراقيون يومذاك استقبال الاخ لأخيه وواسوهم بما استطاعوا مما احتاجوا اليه وخففوا عنهم بعض معاناتهم وآلامهم. وتولت وزارة الدفاع يومها أمر إيوائهم والقيام بشوؤنهم حتى عام 1950م، ثم تولت بعد هذا التاريخ وزارة الشؤون الاجتماعية ادارة شؤونهم ورعايتهم حسب امكاناتها ولم تكن الرعاية كافية نظرا لامكانات الوزارة المحدودة آنذاك، علما ان الحكومة العراقية تكفلت بالقيام بشؤونهم ومنعت المنظمات الدولية من مساعدتهم. وقد رحب بهم عند وصولهم اخوانهم العراقيون جميعا وتعاطفوا معهم وابدوا لهم مشاعر الود والمواساة وفسحوا لهم كل مجالات الحياة من العلم والعمل والعيش الشريف دون تمييز او منة من احد عليهم، وكانوا اهلاً لذلك لما هم عليه من وفاء وحب للعراق والعراقيين، وعدم الاساءة اليه طوال اقامتهم فيه، وليس ذلك غريباً عليهم لانهم ذوو وأحفاد من رووا ارض فلسطين بدمائهم: احفاد شهداء جنين وحيفا وغيرها من مواقع البطولة والاستشهاد، وبعد طول الاقامة في العراق وتقاسمهم مع العراقيين السراء والضراء على مدى ستة وخمسين عاما مر العراق فيها بكثير من التطورات والاحداث الخطيرة التي غيرت الكثير من القيم والمفاهيم والعلاقات الاجتماعية التي كان الشعب العراقي يتحلى بها دون مبرر حقيقي لذلك وفي غير مصلحة الجميع. واخطر تلك الاحداث هو: حدث احتلال العراق عام 2003م من قبل امريكا وبريطانيا ومن معهما هذا الاحتلال الذي قضى على سيادة العراق وجلب له ولاهله الشقاء والدمار عدا المنتفعين منه وكان نصيب اخواننا الفلسطينيين من ذلك وافراً، وكأن الشقاء اصبح قدرهم الذي لا ينفك عنهم في وطنهم وفي شتاتهم ولهم من الله العون على ذلك فبعد الاحتلال مباشرة هجمت عليهم مجاميع من الاوباش في مناطق من بغداد وطردت مئات العائلات من منازلها وهددت عوائل اخرى بالطرد. ولجأت العوائل الخارجة من منازلها الى السكن في خيم من البلاستك الحار صيفا والبارد شتاءً. ولا زالت كثير من العوائل تسكن هذه الخيم منذ عامين، في حالة من البؤس والشقاء لا يعلم مداها الا الله والقريبون منهم ولم يكتف هؤلاء الاشرار بذلك، بل اخذوا يضايقون كل من هو فلسطيني ويتابعونهم في دوائرهم واماكن اعمالهم وحتى في بيوتهم وتعدى الامر الى قتل عدد منهم عمداً وبدم بارد كما يقال: من ذلك قتلهم لخمسة فلسطينيين وهم عائدون من عملهم منهم ثلاثة اشقاء اذ تعرض ثلاثة مسلحين غير ملثمين لهم وقتلوهم وضح النهار وامام الناس بدعوى انهم من اعوان النظام. وهي الدعوى التي يستخدمها اليوم من يريدون تصفية الخصوم والمعارضين لرغباتهم ولم يكتفوا بذلك، بل قتلوا غيرهم وواصلوا التهديد لآخرين، ولفقوا التهم الباطلة لبعضهم وتسببوا في اعتقالهم من قبل قوات الاحتلال وقوات ما يسمى بالحرس الوطني. هذا اضافة الى مضايقة عوائلهم وابنائهم في الاسواق والمدارس واسماعهم عبارات الشتم والعبارات النابية التي منعت الكثير من نسائهم الى عدم الخروج من بيوتهن وكأنهم يعيشون في تل ابيب وليس في بغداد والتي يفترض ان يكرمهم اهلها لا أن يهينوهم ويؤذوهم بهذا الشكل المؤلم والمخجل. ويبدو ان وراء هذه الحملة الظالمة، جهة حاقدة اعماها الحقد الفئوي والطائفي المقيت فانساها العلاقات التي تربطها بهؤلاء الناس علاقات الاخوة في الدين والوطن والانسانية، وقيم الاخوة والكرم والشهامة التي اتصف بها العراقيون على مدى تاريخهم وخاصة مع فلسطين واهلها المنكوبين، والا فلمصلحة من هذه الاعمال والممارسات الاجرامية واللاإنسانية التي يندى لها الجبين ضد اخواننا الفلسطينيين المقيمين في العراق منذ أكثر من خمسين عاماً كانوا فيها معززين مكرمين او جهة خارجية معادية للفلسطينيين استخدمت بعض العملاء والمأجورين لايذاء الفلسطينيين في كل مكان في وطنهم فلسطين وفي الشتات انتقاما منهم على تمسكهم بوطنهم ودفاعهم عنه وعدم استسلامهم نفسيا وعمليا وفي كل الظروف لارادة اعدائهم ومخططاتهم، كما استسلم كثير من العراقيين لاحتلال بلدهم ولمخططات اعدائهم فيه. ومع كل هذه الاعمال الاجرامية والشائنة ضد الفلسطينيين لم تحرك حكومة العهد الجديد في العراق ساكنا ولم تقم باي شيء من واجبها في حماية هذه الفئة المعتدى عليها، ولم تقدم ما يخفف شيئاً من معاناتها ولا كذلك الدول ولا المنظمات العربية، رغم سماع الكل بمأساتها وما جرى ويجري لها على يد هذه العصابات الاجرامية الحاقدة. وثالثة الاثافي: بطاقة الاقامة التي تجدد لهم كل ستة اشهر بعناء ومع الاستخفاف والسخرية بهم احيانا مع رسم قدره عشرة الاف دينار عن كل تجديد علما ان اكثرهم اليوم بلا عمل أو مفصولون من الوظائف منذ عامين لا يجدون ما يسدون به رمقهم اليومي، وهكذا تتفاقم ماساة اخواننا الفلسطينيين في العراق بعد ان كانت حالهم في العراق افضل من حال اخوانهم الاخرين في دول الشتات الاخرى، ولم يجدوا من يسعفهم في حلها او التخفيف من وطأتها، او حتى الحديث عنها ليعلم بها من لا يعلم عنها شيئاً. وليس لنا الا ان نقول لاخواننا الفلسطينيين: عليكم بالمزيد من الصبر والتحمل المعهود فيكم فانتم سلالة شعب مجاهد صابر قاد ولازال يقود اطول واشرس واشرف كفاح قاده شعب في التاريخ، ولتعلموا: ان النصر مع الصبر وان الفرج مع الكرب وان مع العسر يسراً. |