عالمية الأدب الإسلامي   عدد القراء : 180   .


د.عبدالباسط بدر

العالمية، كلمة لها بريق خاص في الأدب والنقد، فهي صفة يتباهى بها - حتى الغُرور - الأديب الذي يوصف إبداعه بها. وحلم تسعى إليه أمم عدة، لأنها في أبسط دلالاتها شهادة للإبداع الأدبي بنوع من التميز والتفوق، واستيعاب التجربة الإنسانية العامة، التي تتجاوز الحدود الجغرافية، وربما تتجاوز الزمان أيضاً إلى كل زمان ومكان. فالنص الذي ينجح في مخاطبة وجدانات بشرية متعددة المشارب، ومتعددة البيئات والظروف، ويؤثر فيها، هو نص يستبطن التجربة الإنسانية المشتركة بين هذا القدر الهائل من الناس، ويقف على شاطئ الحقيقة (الوجدانية) المطلقة. ولأنها أيضاً الطريق إلى مكاسب معنوية - وربما مادية أيضاً - هائلة.
لذا تجتهد بعض الأمم في تحقيق أكبر قدر ممكن من العالمية، وتبذل في سبيل ذلك جهوداً ضخمة، فتقوم بترجمة غرر أعمالها الأدبية إلى لغات الشعوب الأخرى، وتعقد الندوات والمؤتمرات، وترعى الكراسي الجامعية التي تدرّسها في الآفاق، وتنفق عليها، وتهتم اهتماماً فائقاً بالأدباء من غير أبنائها، الذين يكتبون أعمالاً أدبية بلغتها، وتغمرهم بالجوائز السخية، وأقرب الأمثلة إلينا فرنسا، التي تسعى عبر (الفرانكفونية) لتمد ظلالها الأدبية إلى الجهات الأربع، فتنشئ - أو تعزز - روابط نفسية بين أكبر قدر ممكن من الشعوب تتمحور حول المبادئ والقيم التي تتبناها، وتحقق لها - من ثم - مكاسب سياسية واقتصادية لا تحصى وهكذا تصبح عالمية الأدب - على المستويين الفردي والأممي - هدفاً ترتبط به أهداف أخرى، ومكسباً تتحقق من ورائه مكاسب كثيرة.
وتتحقق العالمية للأدب عندما ينتقل - بطريق الترجمة غالباً، وبلغته الأم أحياناً - من المجتمع الذي أبدع فيه إلى مجتمعات أخرى، وينتشر فيها متجاوزاً الحدود الجغرافية والسياسية واللغوية، فمثلاً يمكن أن نقول عن أدب شكسبير إنه بلغ مرتبة العالمية؛ لأنه تُرجم إلى معظم لغات العالم، وقرأته شعوب كثيرة بلغاتها المحلية - فضلاً عن الأفراد المتميزين في تلك الشعوب الذين قرؤوه بلغته الأم - فالعالمية هنا هي عالمية الشيوع والانتشار، وتكون بعد مرحلة الشيوع المحلي عادة، وتتدخل فيها عوامل خارجية كثيرة، منها الظروف السياسية والحضارية للأمة، والجهود التي تبذلها في نقل آدابها إلى الآخرين، وقد استطاعت كل من انكلترا وفرنسا أن تنشر آدابها في المجتمعات التي سيطرت عليها في القرن الميلادي الماضي وشطر من القرن الحالي، كما استطاعت أمريكا أن تنشر قدراً من آدابها بفضل الجهود والترجمات المكثفة التي تقوم بها، أو ترعاها، مؤسساتها الثقافية المختلفة، فلا يكون تميز التجربة الإنسانية وتفوقها السبب الوحيد في عالميتها، وقد يكون مستواها الفني دون المستوى الفني بكثير لأعمال في المجتمعات المستقبِلة، ولكن هذه لم تتهيأ لها وسائل التوصيل والترويج.