| بعد عام من توليه الرئاسة أوباما وشعارات التغيير   عدد القراء : 1230   . كامل العبيدي بحلول العام 2010 دخل الرئيس الامريكي (باراك اوباما) العام الثاني من فترة رئاسته التي تناولتها وسائل الاعلام والمحللون السياسيون بمختلف مشاربهم على انها لابد وان تكون حقبة مختلفة في تاريخ الولايات المتحدة، ولقد كان الكثير من هؤلاء المحللين قد استمدوا وصفهم لمرحلة اوباما من الشعارات ذاتها التي طرحها اوباما خلال حملته الانتخابية والتي كان في مقدمتها شعار (التغيير) والذي اصبح رمزاً لحملة اوباما الانتخابية الى الدرجة التي اعتقد الكثير داخل وخارج الولايات المتحدة ان التغيير ما هو الا استراتيجية جديدة قد جاء بها باراك اوباما ثم راح الكثير من هؤلاء المحللين يصولون ويجولون ويضعون تصوراتهم المستقبيلة لماهية هذا التغيير الذي منحوه صفة الشمولية وحددوا محاوره بمحور داخلي يعنى بالتغيير داخل الولايات المتحدة ومحور خارجي يعنى بالتغيير في سياسة الولايات المتحدة الخارجية وعلاقتها مع العالم وخاصة الجزء الذي تعرض اكثر من غيره من اجزاء هذا العالم من الظلم والجور الامريكي في عهد (البوشين) الكبير والصغير وما توسطهما من عهد (كلنتون).. وبغض النظر عن ما اذا كان شعار التغيير الذي طرحه اوباما كان شعاراً حقيقياً ينطوي على نوايا حقيقية لاوباما في احداث التغيير المطلوب وفق اسس العدالة وحقوق الشعوب والقانون الدولي او انه كان مجرد لافتة كان الهدف منها وضع صورة ظاهرية بديلة عن الصورة البشعة التي رآها العالم وخاصة الاسلامي والعربي من الممارسات العدوانية وغير الاخلاقية للقوة الوحشية الامريكية من خلال مجموعة من الحماقات والحروب غير المبررة في اكثر من مكان فيهما، مع ان هذه القوة الوحشية غير المنضبطة قد احجمت عن التدخل في اماكن اخرى كثيرة كان تهديد السلم والامن الدوليين فيها اكثر فاعلية وخطورة. بغض النظر عن كل هذا فاننا اليوم وبعد مرور عام على تولي اوباما رئاسة الدولة الاعظم في العالم.. نجد انه لابد من الوقوف لتقويم هذه الفترة من رئاسة اوباما ومحاولة الاستدلال من خلال معطياتها على المؤشرات الحقيقية للستراتيجية الامريكية الجديدة تجاه مختلف بؤر الصراع والمشاكل في العالم والتي لا نشك ان الولايات المتحدة كانت فيما سبق احد أهم اسباب نشوئها. وبالتأكيد فإن الوضع المأساوي في العراق وافغانستان وقبلهما فلسطين المغتصبة كان يتوقع له ان يحظى بالاهتمام الاكبر والانفراج المطلوب من ستراتيجية التغيير التي رفع شعاراتها اوباما. فهل حدث خلال عام من حكم اوباما ما يوحي بنوايا حقيقية للتغيير وهل حصل ما كان يتوقعه الكثير من المراقبين والمراهنين على نوايا اوباما وقدراته على تحقيق التغيير المطلوب امريكيا خارج امريكا؟! وان كان من العسير مناقشة كل الحوادث والوقائع الصادرة من ادارة اوباما خلال السنة الاولى من ولايته او ردود فعل ادارة اوباما على حوادث ووقائع حدثت في مناطق مختلفة من العالم في هذه العجالة الا اننا نجد من المناسب ان نختار عدداً من الحوادث والوقائع التي يمكن من خلال تحليلها تحديد نموذج التعامل الامريكي وفق المنهج الذي صوره البعض على انه جديد ومقارنته مع النموذج القديم الذي عده البعض ايضاً مشوهاً لصورة امريكا في العالم ومبرزاً لوجهها القبيح. وفي هذا الاطار ينبغي تسليط الضوء على الوقائع والحوادث وردود الفعل الاهم خلال الفترة المذكورة. لاشك ان جميع المنصفين في العالم ونحن منهم قد استبشرنا خيراً عندما اطلق باراك اوباما شعاراته إبّان حملته الانتخابية واعاد التأكيد عليها في اول خطاب له بعد توليه الرئاسة، غير اننا كنا حذرين من الحكم على النوايا الحقيقية وعلى امكانية تنفيذ كل ما يقال، وكنا نطرح كما كان غيرنا العديد من التساؤلات حول جدية اوباما اولاً، ثم عن قدرته على مواجهة مراكز القوى الامريكية وغير الامريكية ومنها اللوبي الصهيوني داخل الولايات المتحدة ثانياً، وثالثاً عن مدى الدعم الذي يمكن ان تقدمه له مؤسسات القرار الامريكي وخاصة المؤسسة التشريعية ومن خلفها الشعب الامريكي. ولقد كان اول اختبار لنوايا اوباما وقدراته العدوان الذي شنه الكيان الصهيوني على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة بعد ايام من اعلان فوز اوباما بالرئاسة وقبل ان يستلمها بشكل رسمي. ويتذكر الجميع بشاعة هذا العدوان وحجم الجرائم التي ارتكبت فيه والآلة العسكرية التي استخدمت في هذا العدوان وانواع الاسلحة المحرمة التي دمرت البنيان والانسان في هذه البقعة الصغيرة المحاصرة من ارض فلسطين، حينها قيل ان اوباما لم يعلن موقفه الواضح لانه لم يستلم الرئاسة فعلياً اما موقف بوش الذي كان يعد ايامه الاخيرة في البيت الابيض فلم يكن الا امتداداً لمواقف الولايات المتحدة المنحازة دوماً للكيان الصهيوني، ولقد تصرفت الادارة الامريكية ومؤسساتها وممثلها في الامم المتحدة ومجلس الامن كعادتها بما يخدم الكيان الصهيوني ويساند العدوان ويمنع ما يسمى بالمجتمع الدولي من اصدار قرار مجرد قرار يدين هذا الكيان. ونعتقد ان اختيار الكيان الصهيوني لهذا التوقيت لم يكن عشوائياً، ولم تكن سلسلة الاحداث يومها تحتم عليه او تفرض عليه شن العدوان، الا ان هذا الكيان اراد ان يثبت لمن كان متوهماً في تحول الولايات المتحدة عن موقفها التاريخي الثابت في دعم الكيان الصهيوني ان هذا الامر مجرد خيال وان العلاقة العضوية والمصيرية بينه وبين الادارة الامريكية اقوى من اية مصالح او ضوابط او بحث في مجال حقوق الشعوب او العدالة، وهذا ما حدث بالفعل، كما ان الكيان الصهيوني ولتبديد بعض الشكوك داخل القوى السياسية الصهيونية، وضع اوباما في هذا الاختبار ليكشف وان كان متأكداً ان لا تغيير في سياسة الولايات المتحدة تجاه المنطقة رغم شعارات التغيير. وهكذا كان موقف اوباما مخيباً للآمال، لكن الكيان الصهيوني كان ذكياً في اختيار التوقيت حينما ترك لاوباما مخرجاً من هذا الاختبار يمكن ان يكون مقبولاً من العالم ومن باب اولى مقبولاً من المغفلين من العرب والمسلمين. وكان هذا المخرج والذريعة ان اوباما لم يستلم مسؤوليته بعد!! فهل تغير موقف الولايات المتحدة من القضية الفلسطينية بعد استلام اوباما للحكم؟! ان الاجابة على هذا السؤال لا تتحقق بالنظر الى التصريحات والاشارات التي لا تحمل اي معنى او مغزى جوهري تصدر من هذا المسؤول او ذاك بغض النظر عن مواقعهم ومن ضمنهم اوباما، وانما تكمن الاجابة في الموقف الحقيقي والمؤثر للولايات المتحدة في القضية وكمثال على ذلك فان الولايات المتحدة في ظل رئاسة اوباما لم تتمكن حتى الآن من وقف الاستيطان الصهيوني وبناء المستوطنات داخل الاراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 حتى الآن، ثم انها لم تتمكن من وضع القضية على بداية طريق لحل منصف، وعلى العكس من ذلك بدا التصرف الصهيوني اكثر ثباتاً وتمادياً وقوة ووثوقاً بالتأييد الامريكي، وموحياً بوجود احتمالين لا ثالث لهما، فاما ان يكون اوباما منساقاً باختياره كغيره من الرؤساء الامريكيين في ستراتيجية امريكا الثابتة في دعم الكيان الصهيوني، او ان يكون غير قادر على تغيير القرار الامريكي فيما يتعلق بهذا الموضوع وان القرارات تصنعها مؤسسات القرار الخاضعة لاملاءات اللوبي الصهيوني او المنسجمة معها وليس شخص الرئيس الامريكي. القضية الاهم الثانية والتي تعد القضية رقم (1) في الحضور على الساحة الدولية والتي كانت معطياتها سبباً رئيساً في وصول اوباما الى سدة الحكم بعد ان اسقطت اوراق الحزب الجمهوري وحظوظ مرشحية في الانتخابات الامريكية، هي قضية العراق، والتي ارتكزت في شعارات اوباما على محورين، المحور الاول سحب قوات الاحتلال من العراق واعادة العراق الى اهله، والثاني وقف الانفاق الامريكي على الحرب في هذا البلد ووقف دعم عملاء الادارة الامريكية في العراق وعدم استمرار رعايتهم وتمكينهم من القوى الوطنية المناهضة لهم وللاحتلال. كان اوباما قد وعد جنوده بسحبهم من العراق فور توليه الرئاسة وكان هذا الوعد اضافة الى ما فرضته المقلومة العراقية على قوات الاحتلال من خسائر سبباً رئيساً في اقتناع المواطن الامريكي بضرورة انتخاب اوباما. فما الذي حدث بعد تولي اوباما الحكم في الشهر الاول لحكمه تناول اوباما الموضوع بشكل مختلف فاعلن ان سيسحب قواته خلال ستة اشهر وكان هذا التعديل مبرراً فعلل الخبراء ذلك بانه امر معقول ومدروس من الناحية الفنية حيث لا يمكن سحب هذا الحجم من القوات بشكل فوري وان مدة الستة اشهر جاءت لحسابات لوجستية وامنية، بعدها اعلن اوباما انه سيسحب قواته وفق جدول زمني بالتشاور مع القيادات العسكرية، ومرة اخرى التمس الكثيرون العذر لاوباما، فالمختصون العسكريون لابد وان يكون لهم رأي في الموضوع غير ان الذي حصل بعد ذلك ان الموضوع برمته قد تحول من موضوع سحب للقوات الى موضوع اعادة انتشار وتوزيع لها مدد العمل فيه نظرياً حتى نهاية العام 2011. علماً ان الاسباب الحقيقية وراء اي انسحاب لاية قوة امريكية من العراق هي الحاجة الى تعزيز قوات الاحتلال في افغانستان امام تحدي المقاومة الافغانية، ثم ان تقليص عدد القوات في العراق يهدف الى تقليص الانفاق على الحرب في العراق الذي ارهق الخزينة الامريكية واصابها بالعجز، ثم دفعت ادارة اوباما الى القبول بتبني معاهدة الاذعان التي وقعها بوش مع عملائه في العراق والتي كانت الغاية منها الابقاء على وجود دائم في العراق عبر قواعد تتمتع بالامكانات الكافية للتدخل في الوقت والمكان المطلوب. ان مما يدل على عدم وجود نوايا حقيقية لسحب قوات الاحتلال من العراق التصريحات التي تصدر بين الحين والآخر من القادة او السياسيين الامريكان حول ربط الانسحاب بالوضع الامني في العراق وجاهزية ما اسموه بالقوات العراقية.. هذا الامن الذي لاحظ الجميع انه مع عدم وجوده فانه يمكن ان ينقلب الى كوارث خلال ساعات، اما الجاهزية للقوات المسماة عراقية فهي موضوع هلامي وخرافي حتى مع بلوغ تعداد قوات الجيش والامن والشرطة الحالية ما يربو على المليون شخص. كذلك فإن ادارة اوباما بدت متساهلة مع التدخل الايراني في العراق منسجمة مع نهج سابقتها ادارة بوش التي سمحت لايران بالتغلغل والتدخل في العراق، ويبدو ان ادارة اوباما تدرك حاجتها الى الوجود الايراني لاضعاف الحالة الوطنية في العراق. المثال الآخر في اطار التغيير ما طرحه اوباما في مقتبل ولايته من شعارات وخطب رنانة كان منها خطبته في تركيا ثم في مصر حول العلاقة مع الاسلام والمسلمين واستعداده للانفتاح عليهم وبداية نهج جديد في التعامل مع قضايا الاسلام والمسلمين.. هذه الشعارات صفق لها الكثير من المخدوعين في تركيا ومصر والذين دغدغت مسامعهم كلمة (السلام عليكم) التي تلفظ بها اوباما بصعوبة والتي اعتبرها الكثيرون فتح الفتوح في العلاقة بين دولة العدوان امريكا وبين المضطهدين في هذا العالم من المسلمين. فماذا حدث بعد ذلك؟! الذي حدث ان ما تمخض عن هذا التوجه هو مطالبة المسلمين بالتنازل عن ثوابتهم وعن عقيدتهم والقبول بما يفرضه عليهم منطق المعاصرة الامريكي، والرضوخ لكل ما يصدر في الولايات المتحدة والغرب من قوانين وتعاليم وحملات اعلامية تستهدف الاسلام والمسلمين تحت ذريعة حرية الرأي والحفاظ على الامن القومي الامريكي والغربي دون اية مراعاة لحقوق المسلمين كدين او حقوقهم المندرجة ضمن لائحة حقوق الانسان، بل ان الكثير من الدول الاوربية ومنها سويسرا (المحايدة) بدأت تشرع وتدخل في دساتيرها الكثير من الفقرات والمواد المصادرة لحقوق المسلمين وان الولايات المتحدة نفسها تدرس امكانية فرض قوانين تحد من انتشار الاسلام.. فما هو التغيير الذي حلم به المراهقون السياسيون من المسلمين والعرب؟! ان الواضح من هذا الطرح ان الادارة الامريكية كعادتها في زمن اوباما او زمن من سبقه تأخذ من العرب والمسلمين وتنتهك حقوقهم ومعتقداتهم ورموزهم ولا تعطي شيئاً. اما فيما يتعلق بموضوع افغانستان، فان ادارة اوباما قد بدأت حربها من جديد بابشع صورها موقعه اكبر الخسائر في صفوف المدنيين، اضافة الى اشراكها باكستان تحت الضغوط في الحرب على الشعب الافغاني والباكستاني في منطقة الحدود الافغانية الباكستانية تحت شعار مكافحة الارهاب، وتشير اخر المعلومات الى تحول المخابرات الامريكية الى منظمة شبه عسكرية للخدمة في افغانستان ودخول شركة بلاك ووتر ساحة المعركة بشكل مباشر بعد ان اكتسبت الخبرة من خلال المشاركة في العدوان على العراق والخبرة في عمليات قتل العراقيين حتى انها تعمل اليوم في تجهيز الطائرات الامريكية بالعتاد الذي تطلقه على مراكز تجمعات المقاومة الافغانية والتي هي بالتأكيد مراكز تجمعات السكان المدنيين. اوباما اعلن ان عناصر المخابرات الامريكية منخرطون مباشرة في الخطوط الامامية لمواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين.. ولقد عزز هذا التصريح مقتل سبعة من ضباط المخابرات الامريكية في هجوم للمقاومة الافغانية في منطقة (خوست) والذي شكل ضربة قوية للادارة الامريكية ومخابراتها. فأين هو التغيير المؤمل من ادارة اوباما؟!. اما فيما يتعلق بتعامل الادارة الامريكية مع الملف النووي الايراني ومن اطماع ايران في المنطقة العربية، فعلى الرغم من تمادي ايران ووضوح نواياها بالادلة المادية الملموسة فان ادراة اوباما لم تتخذ اي اجراء رادع لها سوى التلويح وربما اقرار بعض العقوبات التي تعلم واشنطن قبل غيرها انها لا تسمن ولا تغني من جوع، احتلال ايران لبئر وربما آبار نفطية عراقية لم يغير نمط تعامل ادارة اوباما مع ايران رغم تواجدها القوي في العراق ورغم معاهدة الاذعان التي تنص على حماية الاراضي العراقية ورغم الالتزام الادبي والقانوني لقوات الاحتلال بحكم كونها قوات تحتل العراق. فما هو التغيير الحاصل في ستراتيجية اوباما؟! امثلة كثيرة لا يتسع المقام لذكرها، كلها تؤكد ان ستراتيجية اوباما لا تختلف كثيراً عن ستراتيجية سابقيه ان لم تكن اسوأ منها في التعامل مع قضايا شعوب العالم وخاصة العربية والاسلامية. فالحرب على الارهاب لا تعني في قاموس اوباما وادراته سوى الحرب على العرب والمسلمين، ان كل الحقوق يمكن مناقشتها والانصات لها وربما اقرارها والاعتراف بها الا حقوق العرب والمسلمين. خلاصة الموضوع ان اوباما استخدم شعارات التغيير ضمن ستراتيجية اعلامية مضللة لاظهار وجه جديد للولايات المتحدة بعد ان كلحت واسودت صورة وجهها القديم واصبحت غير مقبولة وغير مستساغة من العالم اجمع. ومع كل هذا وللانصاف والحيادية يمكننا القول ان اوباما ربما يكون حاملاً لنوايا اصلاحية حقيقية سليمة غير انه واقع تحت تأثير ضغط مراكز القوى وفي مقدمتها المؤثرة في صناعة القرار الامريكي وانه لا يمكنه الخروج خارج الاطار الذي ترسمه هذه القوى وهذه المراكز.. وان القرارات في الولايات المتحدة لا يضعها الرئيس رغم انه من يتخذها في النهاية، فهل كان بامكان بوش ان يقوم بالعدوان على العراق لولا موافقة الكونغرس الامريكي.. وعلى كل حال فان العام (2010) سوف يكون عام الحسم بما لا يقبل الشك لنوايا اوباما وامكاناته في التغيير الذي لازال يرفع شعاره.
|