الأمثال القرآنية   عدد القراء : 646   .


عبد الرحمن فاضلالحلقة (36)
في حلقة اليوم نكمل ما بدأنا به في الحلقة الماضية من سورة محمد (صلى الله عليه وسلم):
فقد روي عن النبي (عليه الصلاة والسلام) قوله(هذه الانهار تشخب من جنة عدن في جوبة ثم تصدع بعد انهارا).
كما روي في وصف انهار الجنة(على حافاتها كراسي، وقباب مضروبة وماؤها اصفى من الدمع واحلى من الشهد وألين من الزبد وألذ من كل شيء فيه حلاوة عرض كل نهر مسيرة خمسئمة عام تدور تحت القصور والحجال  لايرطب ثيابهم ولا يوجع بطونهم واكبر انهارها نهر الكوثر طينه المسك الأذخر وحافتاه الدّر والياقوت).
ولو تتبعنا الفكر في مدى تسلسل هذه الانهار بهذه الصورة البديعة لرأينا الشيء العجب الذي يأخذ باللباب لكل مؤمن صالح أواب فقد قيل فيه:
بدئ من هذه الانهار بالماء لانه لايستغنى عنه قط ثم باللبن لانه يجري مجرى المطعوم والمشروب لكثير من العرب في كثير من اوقاتهم ثم الخمر لانه اذا حصل الري من المشروب والمطعوم اشتاقت النفس الى التلذذ والاستماع وهو ما كان في الخمر ثم يأتي بعد كل هذا ياتي مقام الشفاء والمداواة مما يصيب الناس فجيء بالعسل ختاما (فتبارك الله احسن الخالقين).
وبعد هذا الوصف الجميل الرقراق يأتي الآن مقام ذكر المأكول من الزروع ولما كانت الثمرات تؤكل لاجل اللذة ذكرها سبحانه بقوله(وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ)ليشير الى ان كل ثمراتها لذيذة طيبة بلا استثناء وليس هذا فقط ما موجود في جنة الخلد بل فوقه ومعه(مَغْفِرَةٌ اللَّهِ) ويالها من نعم تعطى مع مالذ وطاب من الاكل والشرب ولان العيش لايطيب الا مع الراحة ولا افضل من راحة القلب حين تمحى ذنوبه وينسى همومه.
يقول صاحب الصفوة(اي:ولهم فوق ذلك النعيم الحسن نعيم روحي وهو المغفرة من الله مع الرحمة والرضوان وفي الحديث (احل عليكم رضواني فلا اسخط عليكم بعده ابداً)هناك الحياة حقا حيث لاتكليف ولا حساب فيما يفعلون وياكلون ويشربون فطوبى لاهل الجنة.
وبعد هذا الكلام الجميل عن نعيم الجنة يتحول الكلام الآن الى الذين رضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها وكانت لهم جنة فانية هل يستوي مقامهم مع اؤلئك الابرار الاخيار فلنستمع الى قول الله (عز وجل) في هذا اذ يقول(كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ )نعوذ بالله من عذاب النار والمعنى ان من حاله في الجنة كمن حالهُ في النار حيث الجحيم الابدي والاقامة التي لا انقطاع معها في اللهيب المستعر لاينفك اسيرها ولا يؤنس غريبها.
ويضاف الى هذا وذاك(وَسُقُوا مَاء حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءهُمْ)وهنا اللفظ على الجمع مراعاة للمعنى لانه ابقى في الذهن.
والملاحظ كذلك المقابلة الجميلة في الاوصاف فهنا (الماء الحميم)بدل الانهار الطيبة وتقطيع الامعاء بدل المغفرة والرحمة فهذا الماء البالغ الحرارة يقطع الاحشاء إذ بلغ مبلغا لايستوي مثل اصحاب الجنة مع مثل اصحاب النار.
وقد بني الفعل في وصف اهل الناء للمجهول فقال تعالى(وسقوا)ليدل بذلك على ان الكيفية التي ليسسقى بها المجرمون هي التي تضر لا المصدر ولانه لكل واحد منهم سقيه الخاص بحسب جرمه في الدنيا.
-الحمد لله رب العالمين-