المقاومة شعرا كَعْبُ بْنُ مالِك.. نَصِلُ السُّيُوفَ إِذَا قَصُرْنَ بِخَطْوِنا   عدد القراء : 410   .


هو كعب بن مالك بن عمرو بن القين الأنصاريّ السَّلَميّ الخزرجيّ، صحابيّ جليل وشاعر كبيرٌ، وهو أحد الثّلاثة الّذين نصروا الرّسول صلّى الله عليه وسلّم بشعرهم في الرّدّ على المشركين، هو وحسّان بن ثابت وعبد الله بن رواحة
د. أيمن العتوم

ورد في صحيحَي البخاريّ ومسلم قولُه: (لم أتخلّف عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في غزوةٍ غزاها قطّ إلاّ في غزوة تبوك، غير أنّي تخلّفتُ في غزوة بدر، ولم يُعاتِب أحدًا تخلّف عنه، إنّما خرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم والمسلمون يريدون عِير قريش حتّى جمع الله بينهم وبين عدوّهم على غير مِيعاد، ولقد شهدتُ مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ليلة العقبة حينَ تواثَقْنا على الإسلام، وما أحبّ أنّ لي بها مشهدَ بدرٍ، وإنْ كانت بدرٌ أذكرَ في النّاس منها).
هذا، ولا خِلاف على أنّه تخلّف عن تبوك بنصّ القرآن الكريم: (وَعَلَى الثَّلاثَةِ الّذِيْنَ خُلِّفُوا)، وسيأتي بيان ذلك.
عُمِّرَ كعب بن مالك، فقد وُلِدَ سنة 27 ق. هـ، وتوفّي حوالي سنة 50 هـ، أي أنّه عاش 77 عاما، وروى كثيرا من أحاديث النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وصلتْ إلى 80 حديثًا، وقال فيه صاحب الأغاني: ولكعب بن مالك أصلٌ عريق، وفَرْعٌ طويلٌ في الشّعر. وعَدّه صاحب الطّبقات ابنُ سلامٍ في الفحول، وقيل في شعره: أشجعُ بيتٍ وصفَ به رجلٌ قومَه قول كعب:
نَصِلُ السُّيُوفَ إِذَا قَصُرْنَ بِخَطْوِنا
يَوْمًا، وَنُلْحِقُها إِذَا لَمْ تُلْحَقِ
ومواقفه البطوليّة كثيرة، منها موقفه يوم أحدٍ، فقد رُوِيَ أنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم دعاه، فألْبسَهُ ملابسه الّتي يلبسها في الحرب، ولَبِسَ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم ملابس كعبٍ الحربيّة. يقول كعب: لمّا انكشفْنا يوم أُحُدٍ، كنتُ أوّل مَنْ عَرَف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وبشّرْتُ به المؤمنين حيّا سَوِيّا وأنا في الشِّعْب، وقد جُرِحَ 17 جرحا، وكان المشرِكون يوجّهون إليّ السّهام ظنّا منهم أنّي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
فانظر معي إلى هذا الموقف الّذي يسجّله التّاريخ، ويشهد -كما كان الصّحابة كلّهم رضي الله عنهم- بحبّ كعبٍ للنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وفدائه له بنفسه وروحه ولعلّ من المفيد أن نورد هنا قصّة تخلّف كعب بن مالك عن غزوة تبوك -لما فيها من دروسٍ وعِظات- قبل أن نشرع في تحليل شعره في مقاومة المشركين ونصرة الرّسول صلّى الله عليه وسلّم.
وقد وردت هذه القصّة في كثيرٍ من كتب التّراجم والسّير، وأنا أُثْبِتُ بعضَها هنا نقلاً من تفسير القرطبيّ الّذي أخذها من صحيحَي البُخاريّ ومُسلِم. يقول: وكان من خبري حينَ تخلّفتُ عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في غزوة تبوك: أنّي لم أكن قطّ أقوى ولا أيسرَ منّي حينَ تخلّفتُ عنه في تلك الغزوة، والله ما جمعتُ قبلها راحلتين قطّ حتّى جمعتهما في تلك الغزوة، فغزاها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في حَرٍّ شديد،.... فتجهّز إليها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم والمُسلِمون معه، وطفِقتُ أغدو لكي أتجهّز معهم، فأرجع ولم أقضِ شيئا، وأقول في نفسي: أنا قادرٌ على ذاك إذا أردت!. فلم يزل ذلك يتمادى بي حتّى استمرّ النّاس بالجِدّ، فأصبح رسول الله صلّى الله عليه وسلّم غازِيا والمُسلِمون معه ولم أقضِ من جهازي شيئًا... فطفقتُ إذا خرجتُ في النّاس بعد خروج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يحزُنني أنّي لا أرى لي أُسوةً إلاّ رجلاً مغموصا عليه في النِّفاق أو رجلاً مِمّن عذر الله من الضّعفاء، ولم يذكرني رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حتّى بلغ تبوك، فقال وهو جالسٌ في القومِ بتبوك: (ما فعلَ كعبُ بن مالك؟.) فقال رجل من بني سَلَمة: يا رسول الله حَبَسَه بُرداه والنّظر في عِطفيه. فقال له معاذ بن جبل: بئس ما قلتَ!. والله يا رسول الله ما عَلِمْنا عليه إلاّ خيرًا. فسكت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم... فلمّا بلغني أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قد توجّه قافلاً من تبوك حَضَرَني بَثِّي، فطفقتُ أتذكّر الكذب، وأقول: بِمَ أخرج من سَخَطِه غدا... وكان إذا قَدِمَ من سفرٍ بدأ بالمسجد، فصلّى فيه ركعتين، فلمّا فعل ذلك جاءه المتخلِّفون، فطفِقوا يعتذرون إليه، ويحلفون له، وكانوا بِضعةً وثمانين رجلاً، فقَبِلَ منهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم علانيتهم، وبايَعهم، واستغفر لهم، ووَكَلَ سرائرهم إلى الله حتّى جئتُ، فلمّا سلَّمتُ تَبَسَّمَ تبسُّم المُغضَب، ثمّ قال: ما خَلَّفَكَ، أَلَمْ تكن قد ابتَعْتَ ظَهْرَك؟ قلتُ: يا رسول الله، إنّي لو جلستُ عند غيركَ من أهل الدّنيا لرأيتُ أنّي أخرج من سَخَطِه بعذر، ولقد أُعطِيتُ جَدَلاً، ولكنّي والله لقد علمتُ لئن حَدّثْتُكَ اليومَ حديثَ كذبٍ ترضَى به عنّي ليوشِكَنَّ الله أن يُسخِطَكَ عليّ، ولئن حدَّثْتُكَ حديثَ صِدْقٍ تَجِدُ عليّ فيه إنّي لأرجو فيه عُقبَى الله، واللهِ ما كان لي عذرٌ، واللهِ ما كنتُ قطُّ أقوى ولا أيسرَ منّي حينَ تخلَّفْتُ عنك. قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: أمّا هذا، فقد صَدَق، فقُمْ حتّى يقضيَ الله فيك. فقمتُ.... قال: فاجتَنَبَنا النّاس، وتغيّروا لنا حتّى تنكّرَتْ لي في نفسي الأرض... قال: فبينا أنا أمشي في سوق المدينة إذا نَبَطِيٌّ من نَبَطِ أهل الشّام مِمّن قَدِمَ بالطّعام يبيعه بالمدينة، يقول: مَنْ يَدُلُّ على كعب بن مالك؟. قال: فطَفِقَ النّاس يُشيرون له حتّى جاءني، فدفعَ إليّ كتابا من مَلِك غسّان، وكنتُ كاتِبا، فقرأتُهُ، فإذا فيه: أمّا بعد، فإنّه قد بَلَغَنا أنّ صاحِبَك قد جفاك، ولم يجْعَلْكَ الله بدارِ هوانٍ ولا مَضْيَعةٍ، فالحَقْ بِنا نواسِكْ. فقال: قلتُ حينَ قرأتُها: وهذه أيضا من البلاء، فتيامَمْتُ بها التّنّور، فَسَجَرْتُهُ فيها... قال: فَكَمُلَ لنا خمسون ليلةً من حين نُهِيَ عن كلامنا، فبينا أنا جالِسٌ على الحال الّتي ذكر الله مِنّا ضاقتْ عليّ نفسي، وضاقت عليّ الأرضُ بما رَحُبَت، سمعتُ صوتَ صارخٍ أوفَى على سَلْعِ يقول بأعلى صوته: يا كعبَ بن مالكٍ أبْشِر. فخَرَرْتُ ساجِدًا، وعرفتُ أنْ قد جاء الفرج، فانطلقتُ أتأمّم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم... فلمّا سلّمْتُ على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، قال وهو يبرُقُ وجهه من السّرور: أبْشِرْ بخيرِ يومٍ مرّ عليكَ منذُ ولدَتْكَ أُمُّك... ثمّ أخبره بتوبة الله عليه، قال: فوالله ما علمتُ أحدا من المسلمين أبلاه الله في صِدْقِ الحديث منذ ذكرتُ ذلك لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى يومي هذا أحسنَ مِمّا أبلاني به، والله ما تَعمَّدْتُ كَذِبةً منذ قلتُ ذلك لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى يومي هذا، وإنّي لأرجو الله أن يحفظني فيما بقي..
وهذه القِصّة يُستفاد منها دروسٌ كثيرة، أهمّها: أنّ الصِّدْقَ أنْجَى ولو كان مُرًّا، وفي ذلك قوله تعالى: (هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِيْنَ صِدقُهُمْ)، ومن الدّروس أن يلتمس المرء لأخيه عذرًا، وأن يحفظَ غيبته، كما فعل سعد بن معاذ حينَ ذكر كعبا في تبوك أمام الرّسول صلّى الله عليه وسلّم بخير، ومنها: أن يصطبر المؤمن، وأن يُقاوِمَ إغراء الجاه والمال، وأن يثبتَ على عقيدته ودينه، وألاّ يلتفت إلى المغريات الآنيّة الزّائفة، كوَقْفة مالك أمام كِتاب ملك غَسّان وإحراقه تلك الرّسالة الملكيّة في النّار، فقد وازنَ هذا الصّحابيّ المُقاوِمُ الجليل بين أن يكون شاعرا مشهورا تُغدَقُ عليه الأموال والهدايا في بلاط الملك الغسّاني وبين أن يكون شاعرا بين يدي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، يذبّ عنه وعن دينه بالسّيف والقلم، فاختار الثّانية، ولو أنّه اختار الأولى للَمع نجمُهُ لحينٍ ثمّ انطفأ، ولكنّه؛ لأنّه اختار الثّانية خلّده التّاريخ، بل خلّده الكتاب الخالد بصدقه وثباته، ومن أجل هذا الثّبات العظيم وهذا الصّبر الجميل استحقّ أن يكون في عِداد المقاومين الكِبار من الشّعراء.