اقول لكم   عدد القراء : 399   .


سالم عبد اللطيف
سئل (الحسن البصري) عن الرجل يتعلم العربية يلتمس بها المنطق، ويقيم بها قراءته، فقال الحسن : فتعلمها، فإن الرجل يقرأ الآية ، فيعيا بوجهها ، فيهلك فيها
وكان لهذا الحث أثره في العناية بسلامة اللغة وتجنب اللحن ولذلك راض الناس أنفسهم بتعلم العربية، واستعانوا لذلك بكل أداة ووسيلة وعلم.
ورأينا المفكرين والعلماء المسلمين ينبهون إلى سبب آخر يتمثل في هجمة وغزو فكري من قبل أعداء الإسلام على كل مقومات الهوية الإسلامية والعربية ومنها اللغة العربية، فكانت هذه الهجمة سببا بما خلفته وتركته من آثار من أسباب الضعف اللغوي وانتشار اللحن، ويذكر (الرافعي) أنهم- أي أعداء الإسلام واللغة- يخاتلوننا ليصرفونا عن لغة القرآن وبيانه ، كما خاتلونا ليصرفونا عن العمل به وتلاوته، حتى صار التجديد في اللغة والبيان عند كثير من المتأثرين بهم هو التخلي عن لغة القرآن وبيانه، ، والدعوة إلى تسويد الصفحات بأحرف عربية، ولغة غير عربية، وإن تحلت بزيها ورسمت برسمها.
ويشير المفكر (احمد الكندي) إلى هذا السبب مؤكدا أن كل حرب يديرها أعداؤنا وعملاؤهم على الفصاحة والبلاغة، والبيان العالي لا يقصد بها حرب اللسان والبيان، وإنما هي حرب لأصلهما من قرآن وحديث، وكلام للسلف.
إن اللغة التي نتكلم بها - وكما أسلفنا- ليست مجرد أداة تعبير ووسيلة تخاطب، وإنما هي: الفكر والذات والعنوان، بل ولها القداسة بعد أن نزل بها نبأ السماء العظيم، ثم إن العقيدة التي نتدين بها ليست مجرد أيديولوجية وإنما هي: العلم الكلي والشامل والمحيط، ووحي السماء، والميزان المستقيم، والحق المعصوم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهي منظومة القيم التي تمثل مرجعيتنا في السلوك، فهي ليست نسبية ولا مرحلية وقد أدرك أعداء الأمة ذلك، اليوم ترى أن استعادة المسلمين لهويتهم الإسلامية وانتمائهم القرآني هو أكبر الأخطار، ومن ثم فإن كل قوى التغريب والغزو الثقافي تنطلق في اتجاه محو كل ما يومن الأسباب ضعف الاعتزاز بالعربية وتنشئة الأجيال غير متعلقة بهويتها وتراثها فيخبو التعلق والحب لمكونات الهوية من لغة ودين ، يقول الدكتور (عثمان أمين) في كتابه (فلسفة اللغة العربية): مَن لم ينشأ على أن يُحب لغة قومه، استخف بتراث أمته، واستهان بخصائص قوميته. ومن لم يبذل الجهد في بلوغ درجة الإتقان في أمر من الأمور الجوهرية، اتسمت حياته بتبلّد الشعور وانحلال الشخصية، والقعود عن العمل، وأصبح دَيْدنه التهاون والسطحية في سائر الأمور.
ولا يعني هذا أن لا يتعلم العربي لغة أجنبية أخرى، وإنما لا بد من إتقانه لغته قبل أي لغة أخرى.
وليس مقبولاً سعي العربي بحَزمْ لإتقان لغة أجنبية باذلا كل جهد ممكن، ثم يهمل في الوقت ذاته لغته العربية! و تجده حين يخالف قاعدةً ويخطئ التعبير بالإنكليزية مثلا، وينُبِّه على ذلك يبدي أسفه معبّرا عن احترامه وخضوعه للقاعدة بحجة أنه يتمنى أن يكون من المتقنين للإنكليزية غير أنه إذا ما نُبِّه على خطئه في العربية لا يبدي الحماس نفسه في الأسف! ولربما اعتذر- غير مُبالٍ ولا شاعر بخطر تقصيره - بسبب أنه لا يحْسِن العربية! وقد يعتذر لنفسه بشيوع الخطأ فيقول :كثيرون يقولون هذا. فإذا ذكرت له أن هذا الشائع خطأ، رأيته يدافع عن الإبقاء عليه! والأمر الغريب أننا لا نلمس من كثير من أهل زماننا رغبة في إتقان العربية كرغبتهم في إتقان الإنكليزية.