ضربات التحذير.. وبشائر التحرير   عدد القراء : 3617   .


جهاد بشير

لم يكن الاحتلال الأمريكي في العراق غافلاً ولو لبرهة عن الجرائم والانتهاكات التي ترتكبها أجهزة حكومية وميليشيات مرتبطة بها.
  بل إن ذلك الأمر ليس إلا ركناً من أركان مشاريعه ومخططاته، ولطالما راهن الاحتلال على مسألة الحرب الطائفية والنزاعات الأهلية بين أبناء العراق وعلق آمالاً كبرى على هذه القضية لكنه لم يظفر بشيء مما كان يأمل وأسباب ذلك ليست بخافية وليس محل الحديث هنا عن تفاصيلها لكنه ومن باب الضرورة فإن المسألة وباختصار لا تليق بحاضر أهل العراق وهم يواجهون عدواً يستهدفهم جميعاً، ولا تتناسب وتاريخهم ذي الصفحات الناصعة، الحافل بالمشاهد التي يفتخر بها كل صاحب مبدأ وكرامة.
ومثلما كان الأسلاف أدوات فاعلة في صناعة التاريخ العراقي كان لزاماً على الأخلاف أن يكونوا على المسار ذاته وهذا ما حصل بعد الاحتلال وما زال يحصل بسواعد أبناء العراق البررة من شباب المقاومة والجهاد وقوى الممانعة، ولقد أخذ المشروع المقاوم بشقيه (المقاومة والممانعة) على عاتقه التصدي لهذا الاحتلال ومشاريعه بكافة صورها، ولكم حرص على حرمة الدم العراقي واعتبار ذلك من ثوابت القضية التي لا نقاش فيها أو جدل ولا مساومة عليها أو مداهنة، ومن هنا فقد كانت قوى المقاومة ومعها قوى رفض الاحتلال هي صمام الأمان الأساس الذي حفظ للعراق وأهله وحدة الصف، وثبات العزم، وحماه من الانزلاق في شرك الإحتلال ومن يسير ضمن مخططه..
إلا أن نكرات من هنا وهناك ممن يتنافسون على الارتماء في أحضان المحتل يبتغون رضاه مقابل حفنة من الدنيا أبو إلا أن يشوهوا صورة هذا البلد، ويسيئوا إلى سمعة أبنائه، ويلوثوا تاريخه؛ فكانوا عبيداً لتنفيذ ما يُخطط له أسيادهم، فالاحتلال حين عجز إيقاد شرارة الفتنة بين الشعب العراقي أدرك أن مشروع المقاومة يجري في عروقهم مجرى الدم، وأن الممانعة ممتزجة مع الهواء الذي تتنفسه صدورهم عمد إلى محاولة إخبات هذه الروح وإطفاء جذوتها فكانت ضرباته للمدن والقصبات التي تحتضن المقاومة من شدتها ما يعجز الهول أن يجاريها وصفاً، ومع أن تلك الضربات استمرت طيلة السنوات الماضية من عمره فقد باءت مخططاته بالفشل ، وفوجئ بالنقلات النوعية التي انتقل من خلالها المشروع المقاوم إلى مراحل جديدة، عندها قرر استخدام عبيده ليقوموا بالمهمة نيابة عنه، ولحماقة يتصف بها هؤلاء العبيد فقد أغفلوا التاريخ ولم يأخذوا عظة أو عبرة من مآلٍ وصل إليه من كان قبلها وسلك طريقهم، بل ويزيدهم حمقاً أنهم صدّقوا أن بإمكانهم فعل ما عجزت عنده آلة الاحتلال العسكرية المزودة  بكامل التقنيات و(الدعم اللوجستي) و(النظام الاستخباراتي المتطور) وما إلى ذلك في كسر شوكة المقاومة أو بث روح الضعف بين صفوفها، وقد يكون إطلاق صفة الفشل عليهم وحدها لا تكفي لتوصيف الحال فهم لم ولن يصلوا إلى مرحلة التنفيذ فقد فشلوا في التخطيط أساساً، ولذلك تضاف إليهم علامة حمق أخرى أن الاحتلال يدرك أنهم عاجزون كل العجز عن إجراء ما لم يتمكن هو منه، وحيث لم يعد يستطيع أن يرعى نفسه لينجو بجنوده وآلياته؛ أفينصرف للاهتمام بعبيده ؟ ولهذا فقد زج بهم في هذا الطريق ليضرب أكثر من عصفورين بحجر؛ ليتخلص أولاً من أعباء رعاية العبيد وهمومم وميزانياتهم التي أرهقته فيهلكهم وذلك بزجهم في الطريق ذاته الذي هلك هو به من قبل، ولينتقم من غرمائه الذين قصموا ظهره ثانياً، وليتمكن ثالثاً من إشعال نار الحرب بين العراقيين أنفسهم وهذا هو المبتغى.
منهجية الاحتلال
كانت هذه هي منهجية الاحتلال الساعي إلى بلوغ مرحلة الحرب الأهلية وتقاتل العراقيين فيما بينهم، فمنذ أيامه الأولى قسّم نظام الحكم على أساس المحاصصة الطائفية والعرقية، ثم أطلق سعار الميليشيات لتصول وتجول كيفما شاءت، ثم شكل أجهزة الحكومة بطريقة تتناسب ومتطلبات تأجيج الفتنة، ثم جاء بالصحوات لتطعن المقاومة في ظهرها، وهو في جميع الأحوال الآمر والمخطط .! والمشهد العراقي طيلة السنوات المنصرمة حافل بهذه الأحداث والمتابع يدرك تفاصيل الأمور ومرحلية المخططات ووسائل التنفيذ، ومآلات ذلك.
ولقد كان بدعة اتفاقية الإذعان وكذبة الانسحاب من المدن جارية وفق هذا البرنامج، لكي يبرئ الاحتلال نفسه من جرائم أجهزة الحكومة ويحقق ما يصبو له في الوقت ذاته، ولذلك نرى أن الأجهزة الحكومية بعد كذبة انسحاب القوات المحتلة من المدن زادت شرستها ..! وتلك أحدى إشارات فشل العبيد الحمقى، إذ أن الطغيان الذي ألبسهم إياه أسيادهم قد صبوه على الأبرياء والمدنيين من أبناء مناطق المقاومة وحواضن الممانعة، ولعل مناطق حزام بغداد الغربي والجنوبي تعد أكثر الأمثلة وضوحاً على هذا، وما جرائم ما يسمى (لواء المثنى) في منطقة أبي غريب وما حولها إلا الأنموذج الحي على ذلك كله..
مكسب على حساب المقاومة!
وحين يتصور هؤلاء أنهم بالضغط على أبناء المناطق المقاوِمَة، والتضييق عليهم، والتنكيل بهم، وزجهم بالمعتقلات والسجون، وممارسة أبشع أصناف العذاب بهم، وتقتيلهم وتهجيرهم واستباحة أموالهم وأراضيهم، أنهم قد ينجحون في تحصيل مكسب على حساب المقاومة وذلك من خلال إحداث فجوة بينها وبين حواضنها فإن وصفهم بمجرد الحمق والوهم قد يعد مدحاً لهم.! فالمقاومة ومشروعها أكبر وأقوى من أن يُفت في عضدها، فهي بالإضافة إلى مبادئها الراسخة، وإيمانها العميق، وصلابة الجند، وطول النفس، والتحلي بالصبر، بالإضافة إلى ذلك كله أنها تحضى بثقة أبناء حواضنها ومناطقها ذوات المساحات الواسعة، والجماهيرية العريضة، فقد وهبوها ثقتهم وتأييدهم طيلة السنوات الشدائد الماضية، وقد تعلم أبناء العراق أن طول الشدة واستمراريتها يزيدهم صلابة وقوة وشكيمة، ويزيدهم تأكيداً على أنهم في المسار الصحيح وأنهم على الحق، بل هم مؤهلون لأن يكونوا جنوداً للحق..
ومن هنا فقد بدا للعبيد الجهلة أن فعالهم لا تعدو كونها هواءً في شبك، وأنها ليست بذات قيمة أو مغزى إزاء ما يؤمن به أبناء العراق الأبرار، فبعد كل مآتم الظلم ومجازر الطغيان التي فعلها هؤلاء في مناطق العراق عموماً ومناطق غرب بغداد على وجه الخصوص انبرت ثلة مؤمنة من شباب عشقوا الجهاد وأحبوا نصرة المظلومين والضعفاء، لم يرضهم استمرار الظلم الذي يقع على أهليهم وإخوانهم على الرغم من انشغالهم بمحاربة العدو الأساس المحتل، ولقد كانت قلوبهم عند أهليهم وأعينهم على مدنهم بينما أيديهم تحارب، وعلى مدى السنوات الماضية كانوا يتحلون بالصبر الجميل ويشجعوا الأهل والإخوان عليه، لكن العبيد لم يكونوا ليفقهوا أن الشباب هؤلاء وغيرهم لا يريدون أن يفسحوا المجال أمام الإحتلال كي يتنفس أو ينتشي بتحقيق جزء مما يريد.. فلما تمادى العبيد في غيهم وظلمهم لم يكن أمام الحلماء إلا أن يغضبوا، وويل للعبيد من غضبة الحليم.
غضبة الحليم
ولقد جاءت غضبة الحليم مترجمة بصورة تبعث على أمور من شأنها تقوية أواصر الترابط، والتشجيع على سلوك طريق نصرة المظلومين، والتحذير من التمادي في الظلم وتبعية الإحتلال فكانت ضربات تحذيرية بدايتها قاصمة، شديدة، لا تعرف إلا الجد، مؤطرة بإطار مشروط يرمي كف الظلم والتعسف والطغيان.. وإلاّ فإن التحذير سيتحول إلى عاصفة لا يصمد أمامها طاغية أو متجبر فما بالكم بالعبيد ..؟
إنها البداية.. وقد تكون النهاية والكف إذا عرف العبيد قدرهم وتجردوا عن عمالتهم، وخلعوا عن أنفسهم رق العبودية وذل التبعية ..! فإن كان ذلك فهو الخير للجميع، وإن كان غيره فالعاصفة كاسحة، وهي مؤهلة لأن تصبح إعصاراً لو نزل بساحة أحد فلا يترك بعده إلا أثراً وعبرة.
وحين يُكتسح العبيد فلن تبقى لأسيادهم سطوة على أحد، وتلك هي أولى بشائر النصر والتحرير، وفي العراق أدوات كثر مؤهلة لأن تقيم العاصفة والإعصار، (ولَينصرَنَّ اللهُ مَن يَنْصُرهُ إنَّ اللهَ لقويٌّ عزيزٌ).