| الأمثال القرآنية   عدد القراء : 649   . عبد الرحمن فاضل من السور المكية إلى المدنيَّة نتجول بين ثنايا الآيات القرآنية لنستنشق من شذاها الفوّاح ما يريح النفس والروح. وفي حلقة اليوم سنقف عند سورة كريمة ضربت فيها الأمثال نوراً وهدى للطالبين للحق وهي سورة(محمد) صلى الله عليه وسلم، أو سورة(القتال). وقبل الحديث عن مناسبة مثلنا لهذه الحلقة نقرأ الآية(15) من السورة. يقول تعالى:(مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاء غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاء حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءهُمْ). ما أجمل كلام رب العالمين فإن له حلاوة لا يذوق طعمها، ولا يحسُّ بنكهتها إلا الذين هدى الله. ولنأت إلى وجه المناسبة. لو رجعنا إلى أول السورة لوجدنا الحديث يدور فحواه عن الذين آمنوا وعن الكفار؛ لأن السورة وُسمت باسم(المصطفى) عليه الصلاة والسلام، وهذا يعني أن يدور محتواها حول الإيمان بمحمد (صلى الله عليه وسلم)، وما أرسل به، وهنا تكمن مناسبة هذا المثل فهو وصف لدار المؤمنين التي أعدها الله تعالى. بأحسن ما يصف الواصفون. بعد هذا لنمعن النظر في معاني هذا المثل، يقول تعالى:(مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ) أي: إن صفتها العجيبة الغريبة كالمثل السائر العجيب الشأن. والجنة مأخوذة من الإجتنان وهو(الستر) فهي مستورة عن الأعين، أو هي مستورة، محجوبة بأشجارها لا يرى باطنها لكثرة أشجارها. وتسمى (البستان) وهنا ذكر وعده سبحانه بصيغة الماضي المبني للمجهول(وُعِدَ) إشارة إلى أن هذا الأمر- أي عاقبة المؤمنين- الجنة، وقد تحقق بأسهل أمر، وفرغ من إلى أن صار حاضراً، والمعنى يكون؛ مثل الجنة العجيب التي صارت حقيقة للمؤمنين المتقين الذين حملهم تقواهم عن كل فعل، فهم الأخيار، ثم إن الجنة لما كانت مغيّبة عنّا جَاء سبحانه بذكر هذه الأوصاف توضيحاً وتأكيداً للجنة، فقال عز وجل(فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاء غَيْرِ آسِنٍ ) الآسن؛ المتغير الذي مرّت عليه السنون، فماء الجنة غير متغير اللون والطعم والرائحة كماء الدنيا. ولما كان أكثر شرابهم بعد الماء اللبن قال سبحانه(وَأَنْهَارٌ مِن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ) أي: ليس قارصاً يقرص اللسان ويقبضه، أو غير ذلك من ألبان الدنيا، فهذا لم يتغير عن اصله، وإذا أرادوا تغييره يمكن ذلك. وفي الحديث المرفوع(لم يخرج من ضروع الماشية) فهذا اللبن في غاية الحلاوة والدسومة، ثم أردف ذكر الخمر بعد اللبن؛ لأنها أكثر بعد اللبن فقال:(وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ) والخمر هو ما خامر العقل من عصير العنب أو غيره، فهو عام، لكن الخمر ليست كا لمعروفة في عالم الفناء من كراهة الطعم والرائحة، بل هي حسنة المنظر والطعم والريح والفعل كما قال تعالى:(َلا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ) وقال أيضاً(لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنزِفُونَ وقال أيضاً(َبيْضَاء لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ) وفي الحديث:(لم يعصرها الرجال بأقدامهم) ولذا وصفها الحق سبحانه بقوله:(لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ) ولم يقل في اللبن:(لذة للطاعمين) ولا في العسل(مصفى للشاربين)؟ والجواب والله أعلم: لأن اللذة تختلف باختلاف الأشخاص، فربّ طعم يلتذ به شخص ويعافه آخر، لذا قال(لذة للشاربين) ليعم الشاربين بأسرهم دون استثناء، ولأن خمر الدنيا كريهة الطعم والرائحة، أما خمر الجنة فيتلذذ بها لا للحاجة. ثم جاء ذكر العسل أخيراً؛ لأنه عزيز وقليل بالنسبة لتلك، لذا أخرّ في اللفظ، وان كان أجلّها فقال تعالى:(وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى) والعسل؛ هو لعاب النحل، ولما كان العسل المعروف مخلوطاً بالشمع وغيره من القذى قال عز وجل(مصفّى) أي: صافٍ صفاءً كبيراً لم يخرج من بطون النحل فيخالطه شيء من الشوائب، وفي الحديث:(إن في الجنة بحر الماء، وبحر اللبن، وبحر العسل، وبحر الخمر، ثم تشقق الأنهار بعد) وعن كعب الأحبار قال:( نهر دجلة من نهر ماء الجنة، والفرات نهر من لبنها، والنيل من نهر خمرها، وسيحان من نهر عسلها والكل يخرج من الكوثر) وله شواهد في الصحيح(سيحان وجيحان والنيل والفرات من أنهار الجنة). وللحلقة بقية... |