اللغة والإدراك   عدد القراء : 405   .


غسان امين عبدالله

لنلاحظ أن كل الأمثلة تبين مدى علاقة الإدراك بالخريطة المعرفية وعلاقة كل هذا باللغة، فاللغة والإدراك مرتبطان تمام الارتباط. ولنضرب مثلاً أكثر درامية: حينما تتحدث وأنت تحرك يديك فهذا من علامات الحماس في بلادنا، فحركة اليد بالنسبة لنا هي تعبير عن إحساس عميق بالرغبة في التواصل مع الآخر، يواكبه إحساس بأن اللغة لا تعبر بما فيه الكفاية عن مكنون ما في الصدور. أما في العالم الغربي الأنجلو - ساكسوني فحركة اليد تعد علامة على الفظاظة، وتدل على أصل المتحدث (الإثني والطبقي) المتدني، فهي حضارة تعاقدية مادية وضعية، ما لا يعبر عنه من خلال الكلمات الواضحة الدقيقة يجب أن يطويه النسيان، والمهاجرون الجدد (من إيطاليا مثلاً) الذين لم يتم صقلهم بعد بمقاييس الحضارة (الأنجلو - ساكسونية) الغربية هم وحدهم الذين يحركون أيديهم أثناء الحديث؛ ولذا في دروس الخطابة في عالمنا العربي، يعلمون الإنسان كيف يحرك يديه كي يحدث أثرًا فعالاً على مستمعيه، أما هناك فهم يحذرونه من أن يفعل ذلك، ربما إلا في لحظات معينة محدودة. ثمة رؤية كامنة وراء حركة اليد: غير واعية بالنسبة للكثيرين، ولكنها واعية تمامًا بالنسبة لمعلم الخطابة. ولكن بغض النظر عن الوعي أو عدم الوعي بها، فإن الرؤية هي التي تحدد المثير وشكل الاستجابة.
وإذا كان الإدراك له علاقة باللغة، فالصمت أيضًا لغة؛ ولذا فهو الآخر له علاقة بالإدراك، ولنضرب مثلاً على ذلك: أقام صديق لي بضع سنوات في بلدة إفريقية، وفي أحد الأيام جاءه أربعة من أصدقائه من الأفارقة وجلسوا أمامه، ولم يتفوهوا بكلمة واحدة. وبعد بضع دقائق بدأ صديقي يشعر بشيء من القلق، فسألهم عما يريدون. فقالوا: لا شيء، فقد جئنا لنكون في حضرتك، أي أنهم جاءوا ليأتنسوا به وليستأنس هو بهم. ويبدو أن في هذا المكان من العالم من يعتبر الصمت في بعض اللحظات أكثر صدقًا من الكلمات، وتعلم صديقي وظيفة الصمت من الأصدقاء الأفارقة، وأصبح أكثر حكمة. ونحن نقول في العربية: إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب. ويقولون بالإنجليزية Silence is eloquent أي أن الصمت بليغ. وفي قصائد الهايكو اليابانية يلعب الصمت دورًا يبلغ في أهميته دور الكلمات.