| أبو عبيدة بن الجرّاح .. أمين هذه الأمة   عدد القراء : 642   .
من هذا الذي أمسك الرسول بيمينه وقال عنه ( إن لكل أمة أمينا وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجرّاح) ؟ , من هذا الذي أرسله النبي في غزوة ذات السلاسل مددا لعمرو بن العاص، وجعله أميرا على جيش فيه أبو بكر وعمر ؟ ومن هذا الصحابي الذي كان أول من لقب بأمير الأمراء ؟ ومن هذا الطويل القامة النحيف الجسم، المعروق الوجه، الخفيف اللحية، الأثرم، ؟ أجل من هذا القوي الأمين الذي قال عنه عمر بن الخطاب وهو يجود بأنفاسه (لو كان أبو عبيدة بن الجرّاح حيا لاستخلفته فان سألني ربي عنه قلت استخلفت أمين الله، وأمين رسوله) , انه أبو عبيدة عامر بن عبد الله الجرّاح, أسلم على يد أبي بكر الصديق (رضي الله عنه) في الأيام الأولى للإسلام، قبل أن يدخل الرسول (صلى الله عليه وسلم) دار الأرقم، وهاجر إلى الحبشة في الهجرة الثانية، ثم عاد منها ليقف إلى جوار رسوله في بدر، وأحد، وبقيّة المشاهد جميعها، ثم ليواصل سيره القوي الأمين بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وسلم) في صحبة خليفته أبي بكر، ثم في صحبة أمير المؤمنين عمر، نابذا الدنيا وراء ظهره مستقبلا تبعات دينه في زهد، وتقوى، وصمود وأمانة , وعندما بايع أبو عبيدة رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، على أن ينفق حياته في سبيل الله، كان مدركا تمام الإدراك ما تعنيه هذه الكلمات الثلاث، في سبيل الله وكان على أتم استعداد لأن يعطي هذا السبيل كل ما يتطلبه من بذل وتضحية , ومنذ بسط يمينه مبايعا رسوله، وهو لا يرى في نفسه، وفي أيامهِ وفي حياته كلها سوى أمانة استودعها الله إياها لينفقها في سبيله وفي مرضاته، فلا يجري وراء حظ من حظوظ نفسه, ولا تصرفه عن سبيل الله رغبة ولا رهبة , ولما وفّى أبو عبيدة بالعهد الذي وفى به بقية الأصحاب، رأى الرسول في مسلك ضميره، ومسلك حياته ما جعله أهلا لهذا اللقب الكريم الذي أفائهُ عليه،وأهداه أليه، فقال عليه الصلاة والسلام ( أمين هذه الأمة، أبو عبيدة بن الجرّاح ) , لقد أحب الرسول عليه الصلاة والسلام أمين الأمة أبا عبيدة كثيرا, وآثره كثيرا , ويوم جاء وفد نجلان من اليمن مسلمين، وسألوه أن يبعث معهم من يعلمهم القرآن والسنة والإسلام، قال لهم رسول الله ( لأبعثن معكم رجلا أمينا، حق أمين، حق أمين,حق أمين) , وسمع الصحابة هذا الثناء من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتمنى كل منهم لو يكون هو الذي يقع اختيار الرسول عليه، فتصير هذه الشهادة الصادقة من حظه ونصيبه , وكما عاش أبو عبيدة مع الرسول صلى الله عليه وسلم أمينا، عاش بعد وفاة الرسول أمينا , بحمل مسؤولياته في أمانة تكفي أهل الأرض لو اغترفوا منها جميعا , وعندما كان خالد بن الوليد يقود جيوش الإسلام في إحدى المعارك الفاصلة الكبرى , واستهل أمير المؤمنين عمر عهده بتولية أبي عبيدة مكان خالد , لم يكد أبا عبيدة يستقبل مبعوث عمر بهذا الأمر الجديد، حتى استكتمه الخبر، وكتمه هو في نفسه طاويا عليه صدر زاهد، فطن، أمين , حتى أتمّ القائد خالد فتحه العظيم , وعندئذ، تقدّم أليه في أدب جليل بكتاب أمير المؤمنين , ويسأله خالد يرحمك الله يا أبا عبيدة , ما منعك أن تخبرني حين جاءك الكتاب؟ فيجيبه أمين الأمة إني كرهت أن أكسر عليك حربك، وما سلطان الدنيا نريد، ولا للدنيا نعمل، كلنا في الله إخوة ويصبح أبا عبيدة أمير الأمراء في الشام، ويصير تحت إمرته أكثر جيوش الإسلام طولا وعرضا وعتادا وعددا , فما كنت تحسبه حين تراه آلا واحدا من المقاتلين , وفردا عاديا من المسلمين , وحين ترامى إلى سمعه أحاديث أهل الشام عنه، وانبهارهم بأمير الأمراء هذا , جمعهم وقام فيهم خطيبا , فانظروا ماذا قال للذين رآهم يفتنون بقوته، وعظمته، يا أيها الناس , أني مسلم من قريش , وما منكم من أحد، أحمر، ولا أسود، يفضلني بتقوى آلا وددت أني في أهابه وذات يوم، وأمير المؤمنين عمر الفاروق يعالج في المدينة شؤن عالمه المسلم الواسع، جاءه الناعي، أن قد مات أبو عبيدة , وأسبل الفاروق جفنيه على عينين غصّتا بالدموع , وغاض الدمع، ففتح عينيه في استسلام , ورحّم على صاحبه، واستعاد ذكرياته معه (رضي الله عنه) في حنان صابر , وأعاد مقالته عنه لو كنت متمنيّا، ما تمنيّت آلا بيتا مملوءا برجال من أمثال أبي عبيدة.
|