| من أجمل مواعظ (ابن الجوزي)   عدد القراء : 622   .
الذنوب تغطي على القلوب ، فإذا أظلمت مرآة القلب لم يبن فيها وجه الهدى ، و من علم ضرر الذنب استشعر الندم , ويا صاحب الخطايا أين الدموع الجارية ، يا أسير المعاصي إبك على الذنوب الماضية ، أسفاً لك إذا جاءك الموت و ما أنبت ، واحسرة لك إذا دُعيت إلى التوبة فما أجبت ، كيف تصنع إذا نودي بالرحيل وما تأهبت ، ألست الذي بارزت بالكبائر وما راقبت ؟ , وأسفاً لعبد كلما كثرت أوزارهُ قلّ استغفاره ، وكلما قرب من القبور قوي عنده الفتور , اذكر اسم من إذا أطعتهُ أفادك ، وإذا أتيتهُ شاكراً زادك ، وإذا خدمته أصلح قلبك وفؤادك , أيها الغافل ما عندك خبر منك ! فما تعرف من نفسك إلا أن تجوع فتأكل ، وتشبع فتنام ، وتغضب فتخاصم ، فبم تميزت عن البهائم , وأعجباً لك ! لو رأيت خطاً مستحسن الرقم لأدركك الدهش من حكمة الكاتب ، وأنت ترى رقوم القدرة ولا تعرف الصانع ، فإن لم تعرفه بتلك الصنعة فتعجّب ، كيف أعمى بصيرتك مع رؤية بصرك , يا من قد وهى شبابه ، وامتلأ بالزلل كتابه ، أما بلغك أن الجلود إذا استشهدت نطقت , أما علمت أن النار للعصاة خلقت , إنها لتحرق كل ما يُلقى فيها ، , فتذكر أن التوبة تحجب عنها ، والدمعة تطفيها , سلوا القبور عن سكانها ، واستخبروا اللحود عن قطانها ، تخبركم بخشونة المضاجع ، وتُعلمكم أن الحسرة قد ملأت المواضع ، والمسافر يود لو انه راجع ، فليتعظ الغافل وليراجع , يا مُطالباً بإعمالهِ ، يا مسؤولاً عن أفعالهِ ، يا مكتوباً عليه جميع أقواله ، يا مناقشاً على كل أحواله ، نسيانك لهذا أمر عجيب , إن مواعظ القرآن تُذيب الحديد ، وللفهوم كل لحظة زجر جديد ، وللقلوب النيرة كل يوم به وعيد ، غير أن الغافل يتلوه ولا يستفيد , كان بشر الحافي طويل السهر يقول " أخاف أن يأتي أمر الله و أنا نائم " , من تصور زوال المحن وبقاء الثناء هان الابتلاء عليه ، ومن تفكر في زوال اللذات وبقاء العار هان تركها عنده ، وما يُلاحظ العواقب إلا بصر ثاقب , وعجباً لمؤثر الفانية على الباقية ، ولبائع البحر الخضم بساقية ، ولمختار دار الكدر على الصافية ، ولمقدم حب الأمراض على العافية , يُجمع الناس كلهم في صعيد ، وينقسمون إلى شقي وسعيد ، فقوم قد حلّ بهم الوعيد ، وقوم قيامتهم نزهة وعيد ، وكل عامل يغترف من مشربه , كم نظرة تحلو في العاجلة ، مرارتها لا تُـطاق في الآخرة ، يا ابن أدم قلبك قلب ضعيف ، ورأيك في إطلاق الطرف رأي سخيف ، فكم نظرة محتقرة زلت بها الأقدام , ويا طفل الهوى , متى يؤنس منك رشد ، عينك مطلقة في الحرام ، ولسانك مهمل في الآثام ، وجسدك يتعب في كسب الحطام , وأين ندمك على ذنوبك ؟ أين حسرتك على عيوبك ؟ إلى متى تؤذي بالذنب نفسك ، و تضيع يومك تضييعك أمسك ، لا مع الصادقين لك قدم ، ولا مع التائبين لك ندم ، هلاّ بسطت في الدجى يداً سائلة ، وأجريت في السحر دموعاً سائلة , يا ابن آدم فرح الخطيئة اليوم قليل ، و حزنها في غد طويل ، ما دام المؤمن في نور التقوى ، فهو يبصر طريق الهدى ، فإذا أطبق ظلام الهوى عدم النور. |