دراسة تحليلية   عدد القراء : 637   .
الأمثـــــال القرآنيـــــــــة
الحلقة(34)
من سورة إلى سورة يتنقل الحديث، ويطيب مع كتاب الله العزيز، وفي كل ذلك خير كثير لمن أراد الله به خيراً. وفي هذه الحلقة سنقف عند سورة مدينة تعُنى بجانب التشريع والتربية، والتوجيه، وتبني المجتمع على أساس العقيدة الصافية والخلق الكريم، والتشريع الحكيم مع سورة الحديد نتوقف لنقطف الجنى الأمثل من آيات قرآننا العظيم. يقول تعالى:(اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ).
في وجه المناسبة، أن هذا المثل يأتي بين آياتٍ تتحدث عن الصدقة والبذل من قبل داعي الإيمان الذي يحرك الذين آمنوا وعملوا الصالحات. تعقبها صورة للحياة الهزيلة، وهي تزهد وتهون في شأنها، لترتفع النفوس الشامخة عاليةً وتعلّقها بالآخرة دار القرار.
ولنقف عند التفسير:
قال تعالى(اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ) هذا النص يبّين حقارة الدنيا، وأنها فانية بلا شك، والمعنى؛ أن حال الدنيا لعب باطل ولهو فرح ثم ينقضي قال قتادة- رحمه الله-:(لعب ولهو: أكل وشرب) وقال مجاهد-رحمه الله-:(كل لعب لهو) وقيل اللعب ما رغّب في الدنيا، واللهو ما ألهى عن الآخرة، والزينة ما يتزين به؛ فالكافر يتزين بالدنيا ولا يعمل للآخرة، وكذلك من تزين في غير طاعة الله تعالى. ومعنى (تفاخر بينكم) أي: يفتخر بعضكم على بعض،وقيل: بالخلقة والقوة. وقيل: بالأنساب، على عادة العرب في المفاخرة بالآباء. وعن النبي(صلى الله عليه وسلم) قال:(إن الله أوحى إليّ أن تواضعوا حتى لا يبغي أحد على أحد ولا يفخر أحد على أحد) وقال أيضاً:( أربع في أمتي من أمر الجاهلية الفخر في الأحساب... الحديث) والتكاثر في الأموال والأولاد عادة جاهلية معروفة أما المؤمنون فيتكاثرون ويتفاخرون بالإيمان والطاعة. وعن علي- كرم الله وجهه- قال لعمار- رضي الله عنه-(لا تحزن على الدنيا فإن الدنيا ستة أشياء؛ مأكول، ومشروب، وملبوس، ومشموم، ومركوب، ومنكوح، فأحسن مطاعمها العسل، وهو بزقة ذبابة، واكثر شرابها الماء ويستوي فيه جميع الحيوانات، وأفضل ملبوسها الديباج وهو نسيج دودة، وأفضل المشموم المسك وهو دم، وأفضل المركوب الفرس وعليها يقتل الرجال، واما المنكوح فالنساء. وكل ذلك مبال في مبال).
وقيل:(هي لعب كلعب الصبيان، ولهو كلهو الفتيان، وزينة كزينة النسوان، وتفاخر كتفاخر الأقران، وتكاثر كتكاثر الدُهقان).
ثم ضرب مثلاً على ذلك في وصف هذه الدنيا الزائلة، فقال عز وجل:(كمثل غيثٍ) أي: مطر (أعجب الكفار نباته) الكفار هنا؛ الزراع؛ لأنهم يغطون البذر، والكفر لغة التغطية، والمعنى أن الحياة الدنيا كا لزرع يعجب الناظرين إليه لخضرته، ثم ما يلبث أن يصير هشيماً، واذا اعجب الكفار فهو غاية المطلوب ليس إلا؟! وقيل:المراد بالكافرين هنا (الكفار بالله) لأنهم أشد إعجاباً بالدنيا من المؤمنين، ثم ان هذا النبات(يهيج) أي: يجف بعد خضرته(فتراه مصفراً) ثم بعد كل هذا يصير(ثم حطاماً) أي: يتفتت تبناً فيذهب بعد حسنه، وكذا دنيا الكافر وهنا أتى الحق سبحانه بلفظة(يكون) لتقرير حقيقة اضمحلال الدنيا، وأن كانت غاية البهجة والإقبال، وكأن التحطم من اصلها وطبعها؟!
وبعد ذكر هذا الظل الزائل، يذكر الأثر الثابت الدائم، فبعد أن بيّن حقارة الدنيا أشار إلى فخامة الآخرة وعظم ما فيها من اللذات والآلآم، ترغيباً، وترهيباً، فقال سبحانه:
(وفي الآخرة عذاب شديد) أي: هذا الذي يغري من حال الدنيا هو في الآخرة عذاب شديد لمن أخذها بغير حقها معرضاً عن ذكر الله عزَ وجل.
وقدَم سبحانه(العذاب الشديد) المختص بالصنف الأول وهم الكفار، لأنه كثير في الخلق، ثم أتبعه بذكر الصنف الثاني الناجي، فقال:(ومغفرة من الله) أي: لأهل الدرجة الأولى في الإيمان من الملك الاعظم لمن يتذكر ما صنعه له في الدنيا فتاب من ذنوبه، ورجع إلى مولاه، وليس هذا فقط وإنما(رضوان) لأهل الدرجات العلى، وهم من شكر الله حق شكره ببذل وسعه فيما يرضيه.
بعد كل هذا الوصف المطنب في رسم صورة(الحياة الدنيا) المتهالكة، ماذا تكون هي باختصار؟
قال تعالى( وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور) أي: ما هذه الزائلة إلا غرور لا حقيقة له، ولهو في نفسه، فكانت حقاً ، وصدقاً بضاعةً مزجاة.
عن سعيد بن جبير-رحمة الله- قال:( الدنيا متاع الغرور إن ألهتك عن طلب الآخرة، فأما إذا دعتك إلى طلب رضوان الله تعالى فنعم المتاع، ونعم الوسيلة).