اقول لكم   عدد القراء : 493   .


المرونة وحالة الإبداع
سالم عبد اللطيف
تشير المرونة إلى درجة السهولة، التي يغيِّر بها الشخص موقفًا ما أو وجهة عقلية معينة، وقد اهتم كثير من علماء النفس اهتمامًا كبيرًا، بإجراء العديد من الدراسات عن مفهوم المرونة، (وعكسه، أي: التصلب أو الجمود)، وحاولوا البحث عن عامل عام للجمود أو المرونة، بمعنى أن الجمود أو التصلب في الجانب العقلي لا بد أن يرتبط بوجود التصلب في بقية الجوانب، كالجانب الإدراكي، والجانب الانفعالي، والجانب السلوكي لدى الأفراد.
ولكنهم فشلوا في إثبات ذلك، وانتهوا إلى وجود عوامل نوعية خاصة بكل جانب من هذه الجوانب؛ فليس من الضروري أن يكون لدى الشخص المتصف بالتصلب الانفعالي في الجانب العقلي مثلاً، أو في غيره من الجوانب.
والأمر نفسه حدث في دراسات علماء النفس بالنسبة للمرونة؛ فقد انتهوا إلى وجود عاملين اثنين، وهما: المرونة التكيُّفية، والمرونة التلقائية.
أما الاختبارات، التي تصلح لقياس المرونة، فهي تلك التي لا يمكن الإجابة عليها إجابة صحيحة، مع التشبث بالعادات القديمة في التفكير، وهناك ثلاثة تعريفات إجرائية متميزة للمرونة، تصلح كأساس لوضع اختبارات لقياسها:
أولها: أن المرونة ما هي إلا القدرة على التكيُّف للتعليمات المتغيرة، والسهولة في تغيير الاتجاه أثناء القيام بأنواع بسيطة ومنتظمة من الأعمال، التي تتطلب مثل هذه القدرة على التكيف، أو هي القدرة على التحرر من القصور الذاتي النفسي أثناء التفكير في حل مشكلة ما من نوع المشكلات، التي تأخذ فيها عددًا من أعواد الكبريت؛ لكي نكوِّن عددًا معينًا من المربعات أو المثلثات، بإضافة أو حذف عددٍ معين من الأعواد - وهو ما أصبح شائعًا في مسابقات الصحف - فالذي يحدث غالبًا هو أن الشكل الحالي أو الشكل المألوف هو الذي يسيطر على تفكيرنا، ونجد صعوبة في التخلص منه نتيجة لهذا القصور الذاتي في التفكير، الذي يشدُّنا للحل المألوف.
وهناك نوع ثالث من الاختبارات، التي يطلب فيها ذكر استعمالات غير معتادة لأشياء مألوفة، والفكرة التي تقف خلف هذا النوع من الاختبارات تكمُن في أن قلة التفكير في الاستعمالات المعتادة، أو إعاقته بها كثيرًا - يُيسِّر للشخص الأداءَ الذي يتصف بالمرونة على مثل هذا الاختبار، فيعطي الشخص مثلاً عددًا محددًا من الدقائق يقوم فيه بكتابة كل الاستعمالات، التي يمكن أن يفكر فيها لقالب الطوب المألوف أو للكرسي مثلاً، ويصحح الاختبار كاختبار للطلاقة بالنسبة للعدد الكلي للاستجابات، ولكنه يمكن أن يصحح أيضًا على أساس أنه اختبار للمرونة، تبعًا لفئات الاستعمالات المعطاة، فبعض الأفراد يميلون للإتيان بعدد قليل جدًّا من فئات الأفكار، ويشغلون أنفسهم بكل فكرة ترد على خاطرهم داخل الفئة نفسها ، بينما هناك آخرون يغيرون هذه الفئات بشكل أكثر، ويظهرون تنويعًا أكبر في استجاباتهم.
ويمكن القول في النهاية بأن عاملي المرونة هما:
(المرونة التكيفية) وهي قدرة الشخص على تغيير الوجهة الذهنية، التي ينظر من خلالها إلى حل مشكلة محددة، وهي بهذا المعنى يمكن أن تعتبر الطرف الموجب المقابل للتصلب العقلي و)المرونة التلقائية( وهي القدرة على سرعة إنتاج أكبر عدد ممكن، من أنواع مختلفة من الأفكار، التي ترتبط بموقف معين حدده الاختبار، ولا يقتضي الحصول على درجة عالية على الاختبار، إلا أن يغير الشخص المختبر مجرى تفكيره، بحيث يتجه إلى وجهات جديدة بسرعة وبِيُسر، ويجب ألا نخلط هنا يبن عامل المرونة التلقائية، وعامل الطلاقة الفكرية ، فبينما يبرز عامل المرونة أهمية تغيير اتجاه أفكارنا، يبرز عامل الطلاقة أهمية كثرة هذه الأفكار فقط.
وهناك رأي في الإبداع يتَّفِق إلى حدٍّ كبير مع المعني النفسيِّ للمرونة التلقائية، فيرى أحد علماء النفس أن الطالب الذي يُرجَى منه هو الطالب الذي يمحص الرأي الغريب، ويطيب له أن يلهو بهذا الرأي، ويتأمل ما يترتب عليه لو كان في الإمكان إثباته.