الديمقراطية الغربية.. حقيقة أم زيف وخداع؟!   عدد القراء : 1405   .


كامل العبيدي

اعتاد الكثير ممن يتشدقون بالتطور والانفتاح والمعاصرة، خاصة الذين يطلقون على انفسهم صفة النخب المثقفة وعلى الخصوص الذي درس منهم في دول الغرب او قضى فترة من حياته فيها، اعتاد الحديث عن الديمقراطية الغربية وحقوق الانسان والحريات، وهم عندما يتحدثون في وسائل الاعلام من خلال الندوات والحوارات يتناولون الموضوع بانبهار شديد مصورين للعالم وموحين للناس خاصة البسطاء منهم والذين يفتقرون الى الاطلاع والوعي والمعرفة بما يجري في دول الغرب، ان دول الغرب هي جنة العدالة والانسانية وحقوق الانسان، ان امثال هؤلاء لا يخوضون في هذا الموضوع اعتباطاً ويخطئ من يظن ان طرحهم هذا يأتي في سياق الموضوعات دون قصد سبق، لان حقيقة الامر انهم يعملون وفق خطة ومنهج رسمه لهم الغرب والولايات المتحدة بالتحديد للترويج لاستراتيجتها في المنطقة العربية والاسلامية كجزء اساس من ستراتيجيتها في العالم لتدمير البنى الثقافية والعقدية الاصيلة للشعوب العربية والاسلامية واحلال ثقافة التفسخ والفساد والانحلال الخلقي محلها ومحاولة  التبرير للحروب العدوانية التي تشنها ضد هذه الشعوب وخلق القناعات في كون ما يصيب الشعوب المعتدى عليها من كوارث وتدمير نتيجة العدوان ليس الا ثمناً بسيطاً بالقياس الى ما يسمونه مكاسب ديمقراطية وحريات وحقوق انسان تنتظر الشعوب تحققها على ايدي الاحتلال واعوان الاحتلال والمرتبطين بمخططاته وكل الانتهازين والنفعيين والمتصيدين في الماء العكر. وتدخل هذه الافكار والطروحات ضمن مخطط التبرير لاحتلال العراق وتسويغ كل ما حل بالعراق والعراقيين من مآسي وويلات بسبب هذا الاحتلال. فهل ان الديمقراطية التي يعرضها هؤلاء والتي يتبجحون بها في دول الغرب حقيقة ام انها مجرد وهم وانها بضاعة للتضليل؟!!
يجمع الكثير من المفكرين المحايدين والمطلعين بشكل تفصيلي على بواطن الامور في دول الغرب والولايات المتحدة ان الديمقراطية حتى المطبقة منها داخل هذه الدول لا تعدو كونها شعاراً وجلباباً فضفاضاً خالياً من الجوهر والمضمون صنع من عجينة يمكن تشكيلها حسب الحاجة والظرف بالشكل والاسلوب واللون والقالب الذي يخدم مصالح الدكتاتوريات الغربية ومؤسسات الاحتكار العالمية، وان ما يشاع عن  كون الشعوب الغربية تتمتع بشكل عادل ومتساوٍ بمكاسب وخيرات هذه الديمقراطية ليس الا وهماً وان ما يسمى في دول الغرب بالمؤسسات الديمقراطية ومنظمات حقوق الانسان تتصرف ضمن اطار هذه الديمقراطية حسب ما يخدم السلطة التي توصلها الى سدة الحكم باستمرار مؤسسات الصناعة ورأس المال والذي يهيمن بشكل او بآخر على ماكنة الاعلام ويهيمن بواسطتها على الرأي العام ويوجهه بالوجهة التي تريدها السلطة وبهذا تفقد الديمقراطية جوهرها وغاياتها النبيلة، اضافة الى التعامل بمقاييس مختلفة مع مواطني هذه الدول الذين صنفوا من الدرجة الثانية والثالثة والذين ينحدرون من اصول خارجية مع ان من يسمون مواطنين  اصليين  ليسوا الا خليطاً من الوافدين مع قلة من السكان الاصليين. وبينما ترتكب الآلة العسكرية  لدول الغرب والولايات المتحدة ابشع الجرائم والتجاوزات والاعتداءات على حقوق الانسان في كل مكان من هذا العالم مع اعطاء العالم العربي والاسلامي الحصة الاكبر من التدمير والعدوان، لا تتورع الآلة الامنية لهذه الدول عن ممارسة العدوان ضد من تعتقده خارج اطار لعبة الديمقراطية  المزيفة من مواطنيها. وبينما ترقع سفارات الديمقراطية وحقوق الانسان والحريات الدينية والفكرية تجدها تشرع عبر مؤسساتها التشريعية (شديدة الديمقراطية) مختلف التشريعات المقيدة لحقوق الانسان وحرياته ومعتقداته الدينية، ولقد تجلى ذلك واضحاً من خلال القوانين والتشريعات التي صدرت في هذه الدول والمقيدة لحريات الاقليات الدينية المسلمة من مواطنيها والتي ليست في حقيقتها الا جوانب واتجاهات في مضمار الحرب على الاسلام والمسلمين. ومما يظهر تفاهة هذه الديمقراطية وتفاهة الشعارات التي ترفعها ان تتجه دول متقدمة وراسخة في التقدم العلمي مثل فرنسا وايطاليا وغيرها من دول الغرب الى تشريع القوانين التي تحضر على المرأة المسلمة ارتداء الحجاب، واذا كانت الدول تصدر القوانين الاستثنائية في حالات الطوارئ وتصادر بعض الحريات  في ظروف معينة عندما يتعرض امنها القومي للخطر فهل ان ارتداء المرأة المسلمة للحجاب في دول الغرب يشكل خطراً على امنها القومي؟!. ان زيف الديمقراطية الغربية اصبح امراً مفضوحاً لا يمكن توريته واذا كان هناك من يقول ان بعض هذه الدول تعاني من تطرف الحركات السياسية والاحزاب التي تقود السلطة فيها فما بالك بسويسرا التي يتبجح الشرق والغرب على حد سواء انها المثال الذي ينبغي ان يحتذى في مضمار الديمقراطية والحياد وحقوق الانسان، سويسرا تجري استفتاءً شعبياً للتصويت على منع انشاء المآذن في مساجد المسلمين، ما اتفه وما اسوأ دولة تدعي التقدم والعلم والديمقراطية وحرية المعتقد وتخشى من مأذنة مسجد يذكر فيه اسم الله!!
وهل من الديمقراطية ان تخشى الدول من تزايد عدد مواطنيها من المسلمين؟!
تتصارخ ابواق دول الغرب ومؤسسات حقوق الانسان وتبدأ عويلها عندما تقوم دولة ما من دول العالم باعتقال احد مواطنيها تحت اي سبب او تهمة ضمن حقوق سيادتها على مواطنيها وتعد ذلك جريمة كبرى ترتكب ضد حقوق الانسان لكن هذه الابواق وهذه المؤسسات لا تعير ادنى اهتمام لاستباحة الدم العراقي وقتل العراقيين بالجملة واستباحة اعراضهم وحرماتهم وهدم دور عبادتهم واعتقال نسائهم وتدمير بلدهم على يد قوات الاحتلال واعوانها ومليشياتهم، فهل بعد هذا يمكن ان تكون راعية للديمقراطية؟! لقد وصل العراق بعد الاحتلال باعتراف المصادر الامريكية الى مرتبة الدولة رقم (1) في الفساد والسرقة والجريمة في ظل ديمقراطية الاحتلال فهل يمكن ان تطمح باقي بلدان العالم لمثل هذه الحالة حتى  تكون  ضمن قافلة الديمقراطية.
ان العراق على مدى اثنتي عشرة سنة من الحصار الجائر منع فيه الغذاء والدواء وكل ضروريات الحياة عن العراقيين لم يصل العراق فيها الى هذا المستوى من الفساد والتردي في ظل حكم كانوا يصفونه بالدكتاتورية وحكم الطاغية، اليست مفارقة غريبة ان ينعم العراقيون بالامن ومستوى مقبول من الكرامة والعيش في ظل ما اسموه دكتاتورية الطاغية وفي ظل حصار مقيت من كل دول العالم في مقدمتها دول الجوار، بينما يدمر العراق وطناً وانساناً خلال سبع سنوات من الاحتلال في ظل ديمقراطية يتبجح بها الغرب. المفروض ان تخجل شعوب الغرب من هذه الديمقراطية التي تصدرها دولها وان تكف هذه الشعوب عن رفع شعارات هذه الديمقراطية المزيفة. اليس من العيب على امريكا التي تدعي رعاية الديمقراطية في العالم ان تستغل مرحلة الانتخابات التي نعلم انها مسرحية وزيف ديمقراطي ان تستغل هذه المرحلة وبرعاية الاحتلال لمزيد من القتل والاعتقال والتشريد للعراقيين، ان على الامريكيين ودول الغرب عامة ان يدخلوا في موسوعاتهم السياسية المعنى الحقيقي والعملي والواقعي للديمقراطية وان يتحدثوا عنها بحقيقتها التي تعني الموت والقتل والخراب للشعوب والتي تعني انتهاك الحرمات والحرب على الاخلاق واشاعة الفوضى والسلب وسرقة اموال الشعوب. وبعد كل هذا لابد من تثبيت ان الديمقراطية في دول الغرب وامريكا ليست الا شعاراً يخفي مساوئ هذه الانظمة وهذه الدول وغلافاً يغطي كل ما هو سيء ورديء وان هذه الديمقراطية عارٌ على كل من يتغنى بها ويروج لشعاراتها.