دراسة تحليلية   عدد القراء : 618   .


الأمثال القرآنيـة
عبد الرحمن فاضل
تحدثنا في حلقة سابقة عن الحوار الذي جرى في قصة الرجلين اللذين؛ أحدهما كافر والآخر مؤمن وقرأتم معي كيف دارت هذه المحاورة الساخنة بين هذين الطرفين المتضادين في الحياة، وسنكمل القصة لنقف على مآل الأحداث فيها.
يقول تعالى:(وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداًهُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَاباً وَخَيْرٌ عُقْباً).
فبعد أن دارت الأيام على ما يشتهيه الأخ الكافر من كثرة النعيم وفسحة الأمل، تعود الأيام لتدور به مرةً أخرى، ولكن هذه المرة على ما لا يشتهيه، وهذا هو حال الدنيا لا تبَقى ولا تبُقي. ولا أفضل من كلام رب العالمين يصف لنا ما دار بينهما وما آلت إليه أحوالهما.
فبعد الغرور والسرور تصير الأحوال إلى(وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ) أي:هلكت أشجاره المثمرة، وأمواله المعهودة. واصل الإحاطة في العدو ثم استعمل في كل إهلاكٍ، قال تعالى في موضع آخر(إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ) ولقد ارتسمت ملامح البؤس على وجه الكافر بقوله تعالى:(فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا) أي:يقلب باطن كفه على ظاهرها وقيل: يضرب يده الواحدة بالأخرى، وهو كناية عن الندم والحسرة التي أخرسته فما عاد ينبس ببنت شفة، فبعد كل تلك البهجة والرونق والخضرة بات في فراغ و خراب، فما أفقه فيها صار هباءً منثورا ثم(وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا) أي: ساقطة؛ وذلك لأن دعائمها المصنوعة من (الكُروم) هي الساقطة بعضها على بعض،وهذه أيضاً كناية عن الهلاك، حينها فقط عاد الكافر إلى رشده وندم على ما أسلف في شركه بربه أن تذكر موعظة أخيه وقتها لمّا قال له(لَّكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً) تذكر أن له رباً يلتجئ إليه وتمنى لو لم يشرك به :(وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً) لكن لم ينفعه ندمه (وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِراًله) أي: لم تكن له طائفة ينصرونه من ربه الواحد القهار القادر على نصره، ولم يكن يستطيع ويمتنع عن ردّ ما حصل له.
وبهذا تنتهي المحاورة والقصة التي حكاها القرآن الكريم لنا في سورة الكهف، ولما كانت كل قصة تساق لهدف وغاية، وتنطوي على عبرةٍ وموعظةٍ؛ (والعبرة هنا ان العاقبة للمؤمنين على الكافرين)، فلا جرم قال بعد ذلك( هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ) أي: في مثل ذلك الوقت وذلك المقام تكون الولاية لله يوالي أولياءه فيعليهم على أعدائه، ويفوضه أمر الكفار إليهم، وينتقم للمؤمنين ويشفي صدورهم (والوَلاية) بالفتح: النصرة والتولي، وبالكسر(الوِلاية) السلطان والملك، وقد يكون المراد من الآية في مثل تلك الحالة الشديدة يتوب إلى الله ويلتجئ أليه كل مضطر.
وهكذا تضرب هذه القصة مثلاً للقيم الزائلة، والقيم الباقية، وترسم نموذجين للنفس المعتزة المغرورة بالحياة، والنفس المعتزة بالله، وكلاهما نموذجان إنساني لطائفة من الناس تعيش معنا،هما؛ صاحب الجنتّين وهو نموذج للرجل الكافر تذهله الثروة، وتبطره النعمة فينسى القوة الكبرى التي تسيطر على أقدار الناس والحياة. وصاحبه نموذج للرجل المؤمن المعتز بإيمانه، الذاكر لربه يرى النعمة دليلاً على المنعم موجبةً لحمده وذكره، لا لجحوده وكفره.
وفي هذا المشهد العظيم تعرض لنا صورة خاطفة عن فناء ما كان حياًّ من قبل، وهي توحي لنا بأن البقاء لله وحده، وانه هو المولى ونعم النصير، كما أن النظرة الثاقبة في عاقبة هذا المثل توقظ فينا عزة الإيمان في النفس، فلا مال ولا نفر ولا جاه ولا سلطان يعزك سوى الإيمان بالله فلا تبطر، ولا تتلعثم ولا تجادل من أجل الفانية، واعلم أن ما عند الله خير وأبقى، وهو ما يستحق المنافسة والفوز والطمع فيه.
وفي إشارة سريعة لأهم مواعظ هذا المثل التي تتلخص بالآتي:
أولاً: إن الحياة الدنيا أشبه بقصة قصيرة بدأت بالنعيم والترف والسرور والغرور لأصحابها ثم تنتهي إلى خراب ودمار وفناء وتراب، فما أسرع ظهورها وبقائها وزوالها. وفي هذا رسالة إلى كل لبيب وعابر سبيل فيها، يأخذ ما ينفعه في الدنيا، ودينه، وآخرته ويترك الباقي لأهلها.
ثانياً:إن الراحة والطمأنينة والسعادة والغنى في الإيمان بالله تعالى، وترك الشرك به (عز وجل) وليس بالعشيرة وجمع الأموال وكثرة الأولاد، فسلطان الله أولى، وأحق بالافتخار، ولا يتأتى ذلك إلا من خلال الإيمان الذي يحسد عليه صاحبه من قبل أصحاب الثروة والأملاك، (فأظفر بالدين تعش في أعلى علييّن).
ثالثاً: في هذا المثل إشارة إلى كثير من الأخلاق والسنن الكريمة الإسلامية منها: التصدق بالمال لله تعالى، وذكر الله حين رؤية مشهد يعجبنا لما فيه من البركة والخير، وكذا الدعاء فهو حبل الله المتين الذي لن ينقطع ما دام عبده متعلقاً به.
وختاماً نقول:
ضرب الله مثلاً لمن عكف على هواه، وقَصَر همته على زخارف دنياه، ولمن توجه بهمته الى مولاه وقدم دنياه لأخراه، فكان عاقبة الأول؛ الندم والخسران، وعاقبة الثاني؛ الهناء والرضوان.