الشمس تشرق مرتين!   عدد القراء : 1163   .

غابت الشمس في البعيد ذلك المساء وهي تلملم ضياءها , وأخذت المدينة تطفئ مصابيحها الشحيحة , الأطفال على عتبات البيوت يرمقون اللغة الغريبة التي يقرأونها في عيون الكبار، وبقال الحي يلقي على خضاره الذابلة أسمال ثوب مبلل قديم، حركة المارة بدأت تتلاشى وكأنها المدينة المروية في قصص الغابرين حتى بدت أزقة المدينة خالية مقفرة من روادها وساكنيها.
كان الهدوء ينقر بناقوسه وبضربات تثير الشجون حيث دبيب النمل المتداخل مع قراءة كل يوم وما فيه ترقب , مما يبعث على الانزعاج من كسب للقوت بدأ في غير زمانه ومحله معا.
الستائر الداكنة بلون العراق أقفلت وكثوب محكم الأكمام فوق الشبابيك الحريصة كل الحرص على أن لا ينفذ من خلالها ولو بصيص من نور لأن ذلك إنما يعني الظلام والألم الممزوج بظلم المتربصين خلف جدار الزمان  حيث جريمة النور وما تفعل في بيتك لهذه الساعة المتأخرة من بداية الليل.
وفي زاوية أخرى كان الطفل الوحيد للعائلة المكونة من خمسة أفراد يعبث بلحية جده الكثة بشعرها الثلجي كلؤلؤة تلمع في يد تاجر حيران , فلا الطفل يعرف ما تعنيه تلك اللحية في قاموس السنين , ولا الجد يشعر بأنامل ذلك الصغير وهي تتغلغل إلى أعماق ذقنه , لأنه ببساطة كان حبيس عقله الشارد عما حوله بل حبيس دموع الأماني التي تأبى أن تتحقق.
عقارب ساعة الجيب الصدئة لا تتوقف عن دورتها وقانونها الصارم ولاترضى أن تسمع توسلات الجد وجسده الهزيل , فما هي إلا دقائق أخرى قادمة لا محالة وتغلق الأزقة والطرقات أبوابها , كي يصبح من أجبرته حاجة ملحة أو قدر الهي لاسلطان عليه أن يتأخر قليلا في مهب الموت المكتوب حتى على الحجر الملقى هنا وهناك , فالقلق على عكاز الابن الوحيد وعصارة سني عمره مازال للآن خارج الدار.
نهض الشيخ من مكانه بعد أن نام الصبي على ترنيمة الشعر المسترسل وعلى غير عادته وادلف نحو المخزن القديم متثاقلا بقانون العمر يفتش عن شيء ما يعرفه هو وحده إذ  أخفاه عن العيون زمنا ليس بالقليل , كانت الأم تختلس النظر من خرم الباب فالجد مازال يحمل في تجاعيد وجهه الغلظة التي عهدتها منذ أول يوم ارتبطت به , ولكنها وبقلب أم يدرك محاكاة الأحداث وكيف يخفق لها يهون عليها أن تتجرع كأس التعنيف الشديد من اجل أن تنعم بكلمة أو تصل إلى ما يسكن روعها الذي بدأ على غير عادته اليوم.
خرج الجد من مخبئه فوجدها بعد أن تسمرت في مكانها لاتقوى على حلحلة أقدامها وقواها الخائرة ولسان حالها ونظراتها تقول الكثير , ولكنه لم ينهرها أو يقطب حاجبيه لها كي تغيب الكلمات وتعتقل الحروف ويبدو أن كلاً منهما كان يخشى أن يقول للآخر ما يجول في نفسه آنذاك أو أن يصدر ولو بإشارة تنثر بظلالها على من يسكن البيت.
أين هو الآن يا ترى فبعد قليل ستندلع حرب الليل ومفاجآتها , وتساؤلات لاتنفك أن تعصف بالنفس ووساوسها.
جاءت الأم بصحون لطعام ينم عن تقشف صوفي شديد حيث البساطة والرخص كانا باديين حتى على الصحون نفسها , ولكن من يأكل في هذا البيت , بل من يستطيع أن يتحايل على لقمة أو يرغمها في الجوف المتيبس كشجر الخريف بعد ما بدأت الأصوات في الخارج ودويها يرقصان فوق مأدبة الطعام.
انها سمفونية كل ليلة قد بدأت والجميع كان ينصت للأصوات الآتية من مجهول الطرقات ومن يجرؤ على السير فوق أديمها آلان , حيث أزيز الرصاصات المارقة بجنون الغوص في الأجساد وتشظيات القنا بر العمياء وهي تحل ضيفاً على بيوتات أهل المدينة بالتساوي.
غاب عن ناظريه عالم كامل عدا الابن المتتلمذ من الصغر على أبجديات يوم يشبه هذا اليوم فيتكور على نفسه بعد أن شبك مسبحته الخشبية بين أنامله مشوشاً لعلمه بما تحدثه من هشيم يندلع في أخشاب الروح الظمآنة إلى الاحتراق بنار خضراء يورد فيها الربيع من جديد , ويمطر فيها طلع أزهار الصدق بلا جناية أو خوف يذكر.
بينما راحت العجوز ترسل على خديها دموعا ندية دافئة وكأن  حدقاتها القلب الباكي  في أعماق جسدها حيث الصباح وشمسه والشروق القابض بيديه على مفاجأة أخبرتها الدموع بها منذ مغيب البارحة.
وفي اليوم التالي وبعدما أعياهم سهر الليلة الطويلة المر استيقظوا على وقع طرقات متتابعة على باب الدار رغم انهم لم يرقدوا سوى ساعة أو اقل بقليل , هرعوا جميعا نحو الباب وكأنهم على موعد مع الزائر الصباحي الغريب بساعة حضوره هذا فمشوا بخطوات مرتبكة نحو الحد الفاصل مابين صراعات ليلة ثقيلة بظلها وبين المتسمر خارجاً.
فتح الجد باب الأحزان والفرح معا , وخلفه امرأته وزوجة ابنه الصغيرة بسنها وولدها الوحيد , يسترقان السمع ويتجسسان بعذر شرعي عاطفي خاص من وراء ستارة علقت هناك.
حيى الجد ضيفه الغريب والذي أصابه الخرس رغم كثرة استعلام الشيخ عما يريد أو عن سبب زيارته هذه , لحاجة ما أم لسؤال عابر , ولكنه لم يفلح باستنطاقه فالتفت الشيخ عن يمينه كي يبصر الصندوق الخشبي والذي سيجيب عن كل تساؤلاته حيث خط عليه اسم ابنه بكل وضوح , عندها تلاشت الصور المتعددة وغاب كل شيء من حوله بلحظات الذهول وقدسية رهبة الموقف الحزين.
إنها رصاصات آخر الليل يا سيدي حيث الرباط في سبيل الله بعد ملحمة ستروى للأجيال آلاتية سطرها ابنك وكلماته فينا , وليت شعري بأية تربة خصبة غرست بذرة آباء ذلك الشاب , هذا ما استطاع أن يتفوه به صديقه لاغير.
ومن بين الجموع المواسية شق الطفل الصغير طريقه بصعوبة بالغة حيث يرقد أبوه جسدا مسجى برداء موت كالحياة وجسداً مخضباً بحناء الدماء الطاهرة والمعفرة بتراب العراق , وما أن اشرف عليه حتى انحنى على بندقية مسجاة بجانب أبيه ليسحبها بعد أن تعذر عليه حملها لثقلها ولصغر سنه معا باتجاه البيت , كي يروي له الجد حكاية أخرى وليل طويل قادم بلا ريب وما أن رآه الجد حتى جفف دموعه وأيقن أن ابنه مازال حياً رغم جسده المسجى فوق الرصيف.