دراسة تحليلية   عدد القراء : 770   .
الأمثال القرآنيـة
رغم كثرة ضرب الأمثال في القرآن الكريم لبني آدم، إلا أنهم ينسون ما وعظوا به بين الحين والآخر، وذلك لما جبلوا عليه من النسيان، وكما قال الشاعر:
         وما سُمّيَّ الإنسان إلا لنسيه       
                          ولا القلب إلا أنه يتقلبُ
ولكنّ رحمة الله محيطة بعباده قضى بذلك سبحانه وهو أرحم الراحمين:(ولن يمل حتى تملوا يا أيها الناس). من هنا ننطلق للحديث عن مثل حلقة اليوم، وهو من سورة(يس) إذ يقول تعالى:(أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ{77} وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ{78} قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ).
إذا نظرنا إلى وجه المناسبة في المثل للاحظنا أن الآيات السابقة تناولت وصف المؤمنين وعاقبتهم من النعيم،و وصف الكافرين وعاقبتهم إلى جحيم، ثم يأتي ختام السورة المكمّل لأولها ليذكُرَ ويذكرّ هذين الصنفين بحقيقة مهمة لا يجب أن تخفى عن بالهم ألا وهي؛ قضية(البعث والنشور ثم الحساب).
وقد ذكر المفسّرون في سبب نزولها؛ أن (أبي بن خلف) من كفار قريش جاء بعظمِ بالٍ إلى النبي (صلى الله عليه وسلم):((نعم يحييه، ثم يبعثك ويدخلك النار)) فنزلت الآية:(أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ).
ولنقف على تفسير معاني المثل، يقول تعالى:
(أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ) الاستفهام في هذا النص إنكاري، معناه(أولم ير الإنسان بتفكر) وهو من باب التوبيخ لقائله أو سائله أي: أولم يتفكر هذا الإنسان بعقله أنه كان في أول خلقه عبارة عن ماءٍ مهين خرج من مكان نجس. وقد عبّر القرآن هنا بلفظة الإنسان عن شخص وهو(أبي بن خلق) الذي سأل؛ لأن الكلام في معرض النسيان والإنكار فجاء بهذا الاسم ولم يقل(البشر) أو(بني آدم) ثم قال سبحانه بعد ذلك(فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ) أي: فإذا هذا المخلوق بعد أن كبر وشبّ وقوي يخاصم أشدّ الخصومة ويجادل بالباطل ربه الذي سوّاه فعدله، ولو أعاد النظر في نفسه لعلم حاله حقاً، وقد جيء بصيغة المبالغة في وزن(خصيم) لبيان ما عليه هذا الكافر، وأمثاله.
ثم يعطف عز وجل كلاماً آخر موبخاً وناكراً على هذا السائل الجاحد فيقول:(وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ) أي: كيف ضرب لنا هذا الأحمق المتعامي الضال مثلاً على عدم إعادة العظم الرميم، وقد نسي نشأته الأولى؛ كيف أنه كان عدماً ثم كان، نسي كل هذا الخلق العظيم العجيب، وان الجواب حاضر موجود في شخصه،(فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) ثم بعد ذلك ذكر الحق تعالى قولة هذا الكافر الشنيعة وسجلها عليه وسطرها في لوح محفوظ ليقرأها المتعاقبون من بعده عسى أن يتذكروا فقال:(قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ) والرميم:هوالشيء البالي التالف اشد تلفٍ، يقال:رمَّ العظم فهو رميم؛ أي متلاش متفتت والمعنى؛قال هذا الكافر شيئاً عجيباً غريباً كالمثل، حين قاس قدرتنا على الخلق!! وهنا يأتي الجواب؛ لأن الله تعالى فصّل في كتابه و كرر و أعاد كل ما فيه ذكرى للبشر فقال:(قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ) أي:قل يامحمد: لهذا الجاحد كي يخرس: يخلقها ويعيدها سيرتها الأولى الذي بدأها أول مرةٍ، والذي أبدع كل شيءٍ خلقه، فهو قادر على الإعادة والبدء تعالى بقدرته عما يقول الظالمون علوًا كبيراً، ولأنه(وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) اي: يعلم كيف يخلق ويبدع، فلا يصعب عليه بعث الأجساد بعد فنائها. وبهذه الصفة العليا(العليم) يختم هذا المثل القرآني الآخر ليدل دلالةً قاطعةً على جهل المخلوقين بالخالق، وضعف عقولهم، وقلّة حيلتهم أمام علاّم الغيوب اللطيف الخبير المتعال.
وبهذا المشهد تظهر قدرة الله تعالى في عالم الإحياء، عالم ما وراء الموت وهي الحقيقة التي يقف منها البشر على حافتين؛ حافة التسليم إذعاناً، وحافة الكذب تشكيكاً. والله تعالى حين يتحدث عن هذا الأمر لبني آدم فهو يشير ويدل عليه من خلال مقدرة عقولهم على فهم ما يضرب لهم، فهذا المثل ليس بعيداً عن العقول، بل هو من الأنفس، ولكن غرور البشر وعنادهم يؤدي ويودي به الى الضلال حين يتنكر للدليل، وتراه ينسى خلقته وكيف أنه لم يكن ثم كان بقول من العزيز القدير(كن) رغم كل هذا التفتت فإن الحق جل ثناؤه يردّ ويدحض كل شبهةٍ تقوّلها المبطلون بكل الوسائل، سواء عن طريق التفكر، أو عن طريق المعجزات، أو عن طريق إرسال الرسل وغيرها، مرةً بالترغيب وأخرى بالترهيب.
وقضية(البعث والنشور) سلسلة متواصلة عند البشر، فهم فيها بين منكر، ومؤمن بها يتجاذبون أطرافها على مرّ العصور. ونحن في زماننا نلمس ذلك واضحاً في الأهواء والملل والنحل التي تظهر علينا بين آونةٍ وأخرى، مدعية لنفسها الحقّ في العلم والفهم والحياة، ولكن يأبى الله إلا أن يحقّ الحقّ ولو كره الكافرون(وليس بعد الحق إلا الضلال).
أما اكبر موعظة تستشف من هذا المثل الرباني فهي:
مسالة الإيمان والكفر، وكيف أنهما نقيضان متلازمان على مدى العمر، يتصارعان؛ فتارةً يغلب الإيمان وتارة يعلو الكفر، ولكن حقت كله الله أن العاقبة لعباده المؤمنين الوارثين. وهذا من فضل الله على عباده، فنحمده أن جعلنا مسلمين.
وختاماً نقول:
الإنسان بطبعه ينسى، وهذا أمر طبيعي لكن أن ينسى ربَّه الذي خلقه، وصوّره، ورزقه من كل الثمرات، وهيئ له الأرض والجبال، وسخر له ما في السماء والأرض لخدمته ثم اذا هو ينكر ذلك، نعوذ بالله من هذا ونسأله الهداية، والرحمة والمغفرة، ومعرفة نعمائه وشكرها، والتعرف إلى أسمائه وصفاته والتحلي بها- إنه على كل شيءٍ قدير.