قد لا يتصور بعضنا ما لبلاغة الكلام ورَوعة البيان من أثرٍ كبيرٍ وفاعلٍ في قلوب المخاطَبين وحياتهم، يربو في كثيرٍ من الأحيان على أثرِ الأفعالِ ونتائج الأعمال. فبالكلمة البليغة الصادقة يتحقق للمرء ما لا يتحقق بسعي الأيامِ واللياليِ، ويبلغ بها الإنسان ما لا يبلغه بأعمالٍ متراكمةٍ كالجبالِ، وينال بها من المآرب ما يكون باليد صعب المنالِ، وعلى ذلك جاء قول النبي صلى الله عليه وسلم إن من البيان لسِحراً)، أي: في استمالته القلوب، وتأثيره البالغ في النفوس، ونتائجه العجيبة في واقع الناس وحياتهم.
سهيل جاسم
فالبليغ يبلغ بحُسن بيانه وبلاغته ما يبلغ الساحر بلطافة حيلته، وفي الحديث دليل على مدح البيان؛ وهو اجتماعُ الفصاحة والبلاغة وذكاء القلب مع اللسَانِ.
وفيه أيضاً: المجاز والاستعارة الحسنة؛ لأن البيان ليس بسحرٍ على الحقيقة، وتسميته سحراً إنما هو على جهة التعجب منه.
وفيه أيضاً: أن التعجب من البيان موجود في طباع ذوي العقول والبَلاغة. وقد ذهب هذا القول منه صلى الله عليه وسلم مَثَلاً سائراً في الناس؛ إذا سمعوا كلاماً يُعجبهم؛ قالوا: إن من البيان لسِحراً. ويقولون في مثل هذا أيضاً: هذا السِحْرُ الحلال. ومعنى ذلك أن صاحب البيان يعمل في اجتذاب القلوب واستمالة النفوس ما يعمل السِحْرُ من استهوائها. (وقال بعضهم: لَمّا كان في البيان من إبداع التركيب وغرابة التأليف ما يجذب السامع ويخرجه إلى حد يكاد يشغله عن غيره شُبِّه بالسحر الحقيقي). فهو سِحْرٌ على معنى التشبيه، لأن السِحْرَ عند العرب يأتي بمعنى الاستمالة، وكل من استمالك فقد سحرك، ومنه إطلاق الشعراء (سِحْر العيون) لاستمالتها النفوس، وقال في (لسان العرب): (كلُّ ما لَطُفَ مَأْخَذُهُ ودَقَّ فهو سِحْرٌ.. والسِّحْرُ: البيانُ في فِطْنَةٍ كما جاء في الحديث).
ومِن المعلوم لدى أرباب العقول أن من أظهر ما يتصف به الإنسان: هو قوة النطق والبيان، وبكمال هذه القوة وتمامها واقتداره منها يتميز عن سائر المخلوقات العُجْم، لذا عدها الله تبارك وتعالى من جملة فضله ونعمائه على عباده في ما امتن به عليهم من النعم؛ قال الله عز وجل: )خَلَقَ الْإِنْسَانَ~ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ)أي: النطق والكلام الذي يتبين به المراد. قال ابن القيم رحمه الله - تعقيباً على الآية - : (البيان يتناول مراتب ثلاثة..
احدها: البيان الذهني الذي يُميَز فيه بين المعلومات.
الثاني: البيان اللفظي الذي يُعبَر به عن تلك المعلومات ويترجم عنها فيه لغيره.
الثالث: البيان الرسمي الخطي الذي يُرسَم به تلك الألفاظ فيتبين الناظر معانيها كما يتبين للسامع معاني الألفاظ).
وقال الخطابي - رحمه الله - (البيان اثنان؛ أحدهما: ما تقع به الإبانة عن المراد بأي وجه كان، والآخر: ما دخلته الصنعة، بحيث يروق للسامعين، ويستميل قلوبهم، وهو الذي يُشبَّه بالسِحْر إذا خلب القلب، وغلب على النفس، حتى يحوِّل الشيء عن حقيقته، ويصرفه عن جهته، فيلوح للناظر في معرض غيره، وهذا إذا صُرِف إلى الحق يُمدَح، وإذا صُرِف إلى الباطل يُذم).
فالممدوح هو حُسْن البيان؛ وهو عبارة عن الإبانة عمّا في النفس بعبارة بليغة بعيدة عن اللبس، إذ المراد منه إخراج المعنى إلى الصورة الواضحة وإيصاله إلى فهم المخاطب بأسهل الطرق، وقد تكون العبارة عنه تارة من طريق الإيجاز وطوراً من طريق الإطناب بحسب ما يقتضيه الحال، وهذه بعينها هي البلاغة وحقيقتها.
قال الجرجاني في (التعريفات) : (البلاغة - في المتكلم -: مَلَكَة يقتدر بها إلى تأليف كلام بليغ، وفي الكلام: مطابقته لمقتضى الحال. والمراد بالحال: الأمر الداعي إلى التكلم على وجه مخصوص مع فصاحته).
وقال المناوي: (البلاغة تقال على وجهين:
أحدهما: أن يكون الكلام بذاته بليغاً؛ وذلك يجمع ثلاثة أوصاف؛ صواباً في موضع لغته، وطبقاً للمعنى المقصود به، وصدقاً في نفسه. فمتى اختل شيء منها اختلت البلاغة.
الثاني: أن يكون بليغاً باعتبار القائل والمقول له؛ وهو أن يقصد القائل أمراً ما فيورده على وجه حقيق أن يقبله المقول له) وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله: (البلاغة: هي التوصل إلى إفهام المعاني المقصودة وإيصالها إلى قلوب السامعين بأحسن صورة من الألفاظ الدالة عليها، وأفصحها وأحلاها لدى الأسماع، وأوقعها في القلوب). وعليه فإنها مستحسنة في الوعظ وغيره من أساليب الخطاب، فهي أقرب إلى قبول القلوب واستجلابها. وبها تقع الكلمة موقعها فتُؤْتِى ثمارهَا، وتُجنى قطافها.
وبالخطاب البليغ الصادق يُصار إلى تهدئة النفوس تسكينها، ومداواة القلوب وتطمينها، وإقناع العقول وتبصيرها. وهو سبيل الأنبياء والمرسلين، والعلماء والمصلحين في دعوة الناس وهدايتهم ونصحهم وإرشادهم. وعُرِف هذا جلياً في صفة خُطب النبي صلى الله عليه وسلم ووصاياه ومواعظه، كما جاء من حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه وقد وصف ما سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم وما كان له من الأثر في نفوسهم؛ فقال: (وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعِظةً بليغةً، وَجِلَتْ منها القلوب، وذَرَفَتْ منها العيون.) - وزاد في رواية - (..واقشعرَّت منها الجلود)، كما وأمر الله تبارك وتعالى بالدعوة إلى سبيله ودينه بالحكمة والموعِظة الحسنة، ثم بالمجادلة بالتي هي أحسن، فقال عز وجل: )ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ.) ، وجعل الله ذلك من أحسن ما يقوله العبد في الحياة الدنيا؛ فقال سبحانه: )وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ( وقد أسلم أفاضل الصحابة رضي الله عنهم لتأثرهم بخطاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وحُسْن بيانه لهم، وقيام البراهين على صحة نبوته عندهم، فكانوا أفضل ممن أسلم بعدهم بلا خلاف من أحد من المسلمين.
كما وأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بخطاب المعارِضين له بالوعظ والقول البليغ المؤثر، فقال عز وجل: )وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًاً).
وبالبيان الجلي والكلام البليغ يُذاد عن الحق والدين، وتدحض شُبهات المعاندين، وافتراءات المتحاملين، كما يُهجى - بالمنظوم منه - الكفار والمشركين، ليكون أنكى عليهم من وقع السيوف ونضح النبال. كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأرسل إلى ابن رواحه وكعب بن مالك وحسان - قال: (اهجوا قريشاً فإنه أشد عليها من رشق بالنبل). وقد ثبت في (الصحيحين) أن جبريل عليه السلام كان مع حسان بن ثابت يؤيده ما نافح عن رسول الله في أشعاره.
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :(جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم). قال أبو محمد بن حزم رحمه الله: (وهذا حديث في غاية الصحة، وفيه الأمر بالمناظرة وإيجابها كإيجاب الجهاد والنفقة في سبيل الله). ولا تكون المناظرة إلا بالبيان الجلي والكلام البليغ والحجة القاطعة.
وقال ابن حزم - رحمه الله - أيضاً: (ولا غيظ أغيظ على الكفار والمبطلين من هتك أقوالهم بالحجة الصادعة، وقد تُهزَم العساكر الكبار، والحجة الصحيحة لا تُغلَب أبداً، فهي أدعى إلى الحق، وأنصر للدين من السلاح الشاكي، والأعداد الجمَّة).
وأثنى الإمام ابن القيم رحمه الله على قلم من ذَبَّ عن الدين وسماه (القلم الجامع) وقال: (وهو قلم الرَدِّ على المبطلين، ورفع سُنَّة المحقين، وكشف أباطيل المبطلين على اختلاف أنواعها وأجناسها، وبيان تناقضهم وتهافتهم، وخروجهم عن الحق، ودخولهم في الباطل، وهذا القلم في الأفلاك نظير الملوك في الأنام، وأصحابه أهل الحجة الناصرون لما جاءت به الرسل، المحاربون لأعدائهم، وهم الداعون إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، المجادلون لمن خرج عن سبيله بأنواع الجدال، وأصحاب هذا القلم حرب لكل مبطل، وعدو لكل مخالف للرسل).
وبكلمة الحق البليغة يُلجم البُغاة والمعتدين. ويُذب عن أعراض المسلمين، ويُناضَل الطغاة والجائرين، وذلك من أفضل الجهاد؛ كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر). فالجهاد باللسان أحد أنواع الجهاد وسبله، وقد أحسن من قال في هذا المعنى.
جاهدت فيك بقولي يوم يختصم الأبطال
إذ فـات ســيفي يوم يمتصــــــع
إن اللســان لوصـال إلى طـرق
في الحق لا تهتديها الذبل السرع
ولابد أن يكون اللسان في هذا الميدان بليغ العبارة قوي البيان. فهو كالسيف إن لم يكن صارماً مِقْصَلاً لا يُسترد به حق ولا يُنكى به عدو. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أفصح الناس لساناً، وأبلغهم قولاً، وأحسنهم بياناً. وقد أُوتي صلى الله عليه وسلم جوامع الكَلِم وخواتمه. ويتفاوت الناس من بعده في بلاغة الخِطاب وفصاحته، وحُسن البيان وحلاوته، وكان لأبي بكر الصديق رضي الله عنه القِدْح المُعَلَّى في ذلك. حتى قال بعض المتقدمين من أهل العلم: خطباء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر الصديق وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما. وكانت بلاغة أبي بكر الصديق رضي الله عنه وحُسن بيانه ومَلَكته في الخطابة والإقناع سبباً في إسلام كبار الصحابة على يديه، أمثال عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله وعثمان بن مضعون وآخرين من صناديد هذه الأمة.
ومن كلماته البليغة التي بقيت مدوية عبر العصور، تلك التي تناقلها أهل الحديث والسير، وكان لها الأثر الكبير الفاعل في النفوس، حيث كانت عوناً في ثبات الأمة على دينها، واعتصامها بربها، وأساساً لبداية عصر جديد لدولة الإسلام بعد أن فارق رسول الله صلى الله عليه وسلم الحياة، وفُجِع الناس بموته، واضطربت بذلك النفوس، وارتابت العقول، وأصابها الذهول، وتحيرت القلوب، وامتلأت كمداً وحزناً، وخوفاً على مصير دين الإسلام، وما سيكون عليه حال المسلمين. حتى جاءت تلك الكلمة صادعةً بالحق، مُفعمةً باليقين، مُجددةً في النفوس الأمل ببقاء هذا الدين، ومُذكِّرةً الأمة بعبوديتها لرب العالمين، وأن الدوام لا يكون إلا لله سبحانه.
أخرج البخاري في (الصحيح) من حديث عائشة رضي الله عنها - في سياق ما جرى يوم موته صلى الله عليه وسلم قالت: ( ..جاء أبو بكر رضي الله عنه فكشف عن رسول الفقبله، وقال: بأبي أنت وأمي طِبت حياً وميتاً، والذي نفسي بيده لا يُذيقك الله عز وجل الموتتين أبداً. ثم خرج.. فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: مَن كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات. ومَن كان يعبد الله عز وجل فإن الله حي لا يموت. وقال: ) إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ( ، وقال: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ)، فنشج الناس يبكون..) - وزاد في رواية ابن عباس قال -(والله لكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر، فتلقاها منه الناس كلهم، فما أسمع بشراً من الناس إلا يتلوها).
فبهذه الكلمة الرائعة التي ضمَّت وجوه البلاغة والإيجاز؛ وضع الصديق رضي الله عنه الأمة على أعتاب مرحلة جديدة، يبقى ميثاقها التوحيد والعبودية لله وحده، وذَكَّر الناس - بما تلاه عليهم من الآيات البيّنات - سُنَّة الله في الحياة والممات، فاستزادوا بذالك يقيناً واستقووا على الثبات، بعد أن كانوا - بمصابهم برسول الله صلى الله عليه وسلم في حَيرة وتيه وانفلات. فيا لها من كلمةٍ عظيمةٍ وخطبةٍ بليغةٍ كان لها - رغم قصرها - هذا التأثير العجيب في النفوس، والذي انعكس بشكل كبير على واقع الأمة في وقت عصيب يُعَدُّ من أصعب الأوقات، إن لم يكن هو الأصعب على الإطلاق. قال شيخ الإسلام تقي الدين رحمه الله: (لما مات النبي صلى الله عليه وسلم ونزلت بالمسلمين أعظم نازلة نزلت بهم، حتى أوهنت العقول، وطيَّشت الألباب، واضطربوا اضطراب الأرشية في الطوى البعيدة القعر، فهذا يُنكِر موته، وهذا قد أُقعِد، وهذا قد دُهِش فلا يعرف من يمر عليه ومن يُسَلِّم عليه، وهؤلاء يضجون بالبكاء، وقد وقعوا في نسخه القيامة وكأنها قيامة صغرى مأخوذة من القيامة الكبرى، وأكثر البوادي قد ارتدوا عن الدين، وذلت كماتة، فقام الصديق رضي الله عنه بقلب ثابت وفؤاد شجاع، فلم يجزع ولم ينكل، قد جُمِع له بين الصبر واليقين، فأخبرهم بموت النبي صلى الله عليه وسلم وأن الله اختار له ما عنده، وقال لهم: مَن كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت.. ثم خطبهم فثبتهم وشجعهم. قال أنس: خطبنا أبو بكر رضي الله عنه وكنا كالثعالب فما زال يشجعنا حتى صرنا كالأسود).
وبهذا يتجلى لنا أثرُ حُسن البيان وبلاغة الخطاب في النفوس، وثمرات ذلك في القلوب، وفاعليته في الواقع، فتلكم الوسيلة الناجعة في الإصلاح والتصحيح، والنصح والهداية والتقويم، والسبيل الأمثل للتواصي والتواصل، والدعوة والإرشاد والتعليم. جعلنا الله تعالى ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
ططططططططططططططططططططططططططططططططططططط