دراسة تحليلية   عدد القراء : 663   .
الأمثال القرآنيـة
عبد الرحمن فاضل
كنا قد توقفنا في الحلقة الماضية مع سورة الكهف الكريمة، ومع المحاورة التي جرت بين المؤمن والكافر وهنا سنتوقف عند جواب الأخ المؤمن بعد أن سردنا حديث الكافر سابقاً.
يقول تعالى جواباً عن المؤمن(قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ)أي: المؤمن:(وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً) في هذا الكلام إشارة إلى خلق الإنسان بدء، وانه لم يخلق عبثاً وإنما خلقك للعبودية، وإذا خلقك لهذا وجب أن يثاب المطيع ويعاقب العاصي. فهل العاقل يهمل أمره ويترك ربه. وفيه أيضاً استدلال على وجود الخالق من خلال أقرب المخلوقات، كما أن البعث والنشور حاصل بعد هذا.
ثم بعد ذلك فهو سبحانه:(لَّكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً) أصل (لكنا) لكن أنا، وحذفت الهمزة فالتقت نونان؛ الأولى ساكنة، والثانية متحركة فأدغمتا، والمعنى: إن كنت كافراً مشركاً فأنا مؤمن مصدق، ولا أرى الفقر والغنى إلا من الواحد الأحد فأحمده إذا أعطى، وأصبر إذا ابتلى ولا أنكر على المنعم. وهكذا كان المؤمن ناصحاً أميناً للكافر في كل خطواته معه، لم يبخل عليه حتى بذكر جميل صار سنة للآخرين من بعد يتلونه كلما دخلوا أرضاً؛ لتحل البركة معهم فقال:(وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاء اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ) أي: هلا قلت الأمر(ماشاء الله) وان كل أمر بمشيئته سبحانه، وأن ما بنا من قوة فمن الله، فليس لأحد منّا في بدنه ولا في ماله ولا في أموره كلها يد إلا بالله،وإن كنت تراني أقل منك أموالاً وأولادا وأنصاراً في الدنيا الفانية. ثم قال المؤمن داعياً ربه:( فَعَسَى رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِّن جَنَّتِكَ) إما في الدنيا، وإما في الآخرة(وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَاناً مِّنَ السَّمَاءِ) الحسبان: العذاب، وهو مصدر بمعنى(الحساب)أي: مقدّر قدره الله وحسبه وهو الحكيم العليم.(فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً) أي:تصير جنتك أرضاً جرداء ملساء لا نبات فيها. والصعيد هو وجه الأرض، والزلق هو بحيث تصير رجل الشخص تنزلق عليها. ثم ختمه بقوله عز وجل(أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْراً) أي: غائراً يغوص في أسفلها،((فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً)) أي: لا تقدر على إخراجه بأي حيلة.
في الحديث الذي رواه أبو هريرة(رضي الله عنه) أن رسول الله(صلى الله عليه وسلم) قال له:(ألا أدلك على كلمة من كنوز الجنة؟ قال: بلى يا رسول الله. قال: لا قوة إلا بالله،إن قالها عبد قال الله عز وجل اسلم عبدي واستسلم) وفي الحديث الآخر:(من رأى شيئاً فأعجبه، فقال: ماشاء الله لا قوة إلا بالله لم يضَّره شيء).
إذن بعد هذه القصة الطويلة والحوار الذي امتد على مدار عدّة آيات في سورة الكهف نستخلص من كل ماسبق ذكره من هذه الرحلة الطويلة: أن الدعوة إلى الله لا تنقطع ما دام في العمر بقية، وما دام هناك نفس يصعد وينزل فيه، وأن لا يتكاسل شخص من دعوة شخص آخر إلى الله، وعلى أقل تقدير الدعاء له؛ لأن المؤمن محب للخير ولجميع الناس، عسى الله أن يصلح الأمور؛ فهذا الأخ المؤمن لم يأل جهداً في نصح أخيه الكافر فمن باب أولى أن يكون أولوا القربى أحق بذلك الإحسان. ويكفينا دعاءً على الآخرين بالويل والهلاك؛ إما حسداً، أو حنقاً، أو ساعة غضب؛ فالمؤمن في خير دائماً في سرائه وضرائه ،لاسيما والحياة زائلة لا تبقى لأحد. أما الكلمة الطيبة فترتفع إلى أعلى علييّن.
بقي أن نقف عند بعض إلايحاءات القرآنية المختبئة بين سطور الآيات؛ من ذلك قوله تعالى:(وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَراً) فإن لفظة(وفجرنا) توحي إضافة إلى وقعها الشديد في تصوير الحدث، وما يصاحبه من ضجيج وتموج يوحي بعدم المعاناة من قبل صاحب البستان في السقي، والجهد في الري، فالمياه متسلطة، والأنهار جارية دون مشقة وعناء، فلا كراء ولا توجيه للمياه، ولا انتظار لهطول الأمطار.