كيف نجعل منها علاقة صحيحة لتربية صحيحة ؟   عدد القراء : 2371   .

تمثل العلاقة التي تربط الآباء والامهات بابنائهم واحدة من اهم مظاهر الحياة الاسرية وتكاد تكون احدى الدعائم الاساسية التي يقوم عليها المجتمع فصلاح العلاقة يعني صلاح المجتمع والعكس صحيح فالحياة تتطلب من الآباء والامهات ان يستشعروا هذه العلاقة وتفهم مشاكل ابنائهم والتعامل معها وفق الاساليب التربوية الصحيحة، فالكثير من الابناء يشكون من عدم تفهم ذويهم لمشاكلهم وعدم قدرتهم على حل تلك المشاكل فتكبر الفجوة بين الاب وابنه والام وابنتها مما قد يؤدي الى معاناة نفسية وخسارة اجتماعية للاثنين معاً، لذا فإن ما قيل عن العرى التي اخذت تنفصل بين الاهل وابنائهم لابد ان تردم.
فالباحث احمد الزبيدي في احد ابحاثه يستشهد بقول الرسول محمد صلى الله عليه وسلم (لتنقض عرى الاسلام عروة بعد عروة اولاها الحكم واخرها الصلاة) ويقول الباحث: من العرى التي انتقضت وتلاشت عروة الابوة والبنوة فمن حب الى بغض ومن توحد الى تفرق ومن حوار ونقاش الى استبداد في الرأي وتعسف في المقال. ذلك ما قاله الباحث عن العلاقة بين الاهل وابنائهم وعافانا الله من ان تنفصم العلاقة التي تربط الاباء بابنائهم وحتى لا نصل الى ذلك كان لابد ان نقف على هذه العلاقة ونستطلع آراء البعض لنساهم في تقويتها لصالح الأسرة.
أبنائي لا يتفهمونني
أم احمد (مدرسة اعدادية) وأم لثلاث بنات وولد تقول انني بحكم عملي كمدرسة حاولت ان اعد نفسي للوقت الذي يكبر فيه اطفالي فكنت اعامل الطالبات كصديقات لا على اساس مدرسة وطالباتها لكن حينما كبرن بناتي لم استطع ان اتعامل على المبدأ الذي كنت اتمنى ان تكون علاقتي بابنائي عليه ربما خوفي الزائد هو الذي يجعلني اتصرف بشكل خاطئ حتى اصبحت اشعر انهن في واد وانا في واد آخر، احاول ان اتقرب منهن لكنهن لا يتفهمن ذلك واحياناً يشعرن بالخجل في فتح مواضيع وامور حساسة خاصة بعمرهن كمراهقات رغم انني كنت اناقش هذه المواضيع مع العديد من الطالبات في الصف.
اما أحلام كريم (موظفة) فتقول: لقد عانيت في صغري كثيراً فلم يكن هناك من يتفهمني فليس لي اخت وامي غير متعلمة ولا تتفهم مشاكلي وكنت اخاف ان اطلب منها طلباً فتصيح في وجهي واحياناً تفهم كلامي بشكل خاطئ فتصيبها العصبية، لهذا فقد عزمت على ان اربي اطفالي على غير ما تربيت عليه وبالفعل فعلاقتي ببناتي وحتى اولادي مبنية على الاحترام ومشاكلنا نحلها في جو ودي بعيداً عن الصياح والعراك.
برأيك كأم كيف امكنك خلق هذا الجو الودي؟
كما قلت كنت مصممة على ان اربي اطفالي على الصراحة والاحترام لذا فقد استعنت بالعديد من الاراء فكنت استمع الى البرامج التربوية واقرأ المواضيع المتعلقة بالتربية الصحيحة وكلي عزم على تطبيق ما هو صحيح ومناسب لبيتي.
الدكتورة بشرى الخالدي استاذة جامعية تقول: اننا مطالبون كأباء وامهات ان نجعل من لغة التفاهم والحوار الاساس الذي تقوم عليه علاقتنا بابنائنا سواء في التربية او في مناقشة امور الحياة المختلفة وانطلاقاً من مبادئ ديننا الحنيف فإننا مطالبون بالتعامل مع ابنائنا وخاصة في مرحلة المراهقة على اساس الصداقة، فالاسلام دعا الى مصاحبة الابناء بعد سن الـ(14) فيجب ان نحاول قدر الامكان تقريب المسافات بيننا وبينهم حتى وان تطلب الامر النزول الى مستوى الابناء وازالة الحواجز فيما بيننا وبينهم، ولكن الكثير من الاهل وخاصة الاباء يرون في ذلك انتقاصاً من شخصيتهم كما انهم يجدون في استخدام الكلام الجارح وتقمص دور العصبية الشديدة اعزازاً لهم وتكبيرهم امام ابنائهم في حين ان علماء الاجتماع يحذرون من استخدام الكلمات الحادة ويجدونها اشد من استخدام السوط فهي تترك الاثر الكبير في نفسية البنت والولد، وصدق من قال ان الجرح يطيب والكلام لا يطيب.
صحبة الأبناء تجنبهم رفقة السوء
الاخصائية الاجتماعية سناء حامد تقول: ان العلاقة بين الاباء والامهات لابد ان تكون مبنية على الحب وحسب فطرتنا البشرية فاننا نحب ابناءنا حباً مطلقاً ولكن هذا الحب لابد ان يعزز بالعلاقة السليمة المبنية على التفاهم والاحترام وعدم التفرقة بين الابناء فذلك يشعرهم بالامان ويخلق منهم جيلاً قادراً على حمل الامانة وذلك كله من خلال خلق جو الصداقة الحميمة والالفة فيما بينهم فكلما صادق الاب والام ابناءهم كلما ابعدوهم عن الرفقة السيئة، كما على الاباء والامهات ان يعوا زمن ابنائهم ويتعاملوا معهم على اساس الزمن الذي يعيشونه فلا يحاولون فرض الاساليب التي تربى عليها الاهل قبل عقود خلت ولنأخذ بقول الامام علي (رضي الله عنه) حين قال مخاطباً الاباء: (لا تحملوا ابناءكم على ان يعيشوا زمانكم فانهم خلقوا لزمن غير زمنكم).
وكيف يمكن للآباء ان يتمكنوا من ذلك؟
كما هو معروف ان التربية في كل مرحلة تأخذ شكلاً اخر فمرحلة الطفولة تختلف عن مرحلة المراهقة وهكذا واذا ما تفهم الاهل ذلك وعرفوا ان لابنائهم عالمهم الخاص وشخصيتهم المستقلة التي يجب ان يتعاملوا معها على الاساس الذي يشبع احتياجاتهم وينميها لا ان يكبتها وان يحاولوا التنوع في الاسلوب المتبع في المناقشة الفكرية والطرح الذهني وحسب طاقات وامكانيات ابنائهم وبذلك يتمكنون من ان يعطي كل ذي حق حقه وبذلك يتمكن الاهل من زرع الثقة بينهم وبين ابنائهم فتكون علاقتهم علاقة سليمة.
ومن خلال لقائنا باكثر من اخصائي اجتماعي حاولنا ان نستجمع بعض الامور التي تساعد في تقوية العلاقة بين الاباء والامهات وابنائهم ومن هذه الامور:
- الابتعاد قدر الامكان عن استخدام اسلوب الاستجواب واللوم في الحديث مع الابناء مع مراعاة اختيار الوقت المناسب للكلام.
- عدم مقاطعة الابناء اثناء كلامهم والاستماع لهم بتركيز مع مراعاة ان لا يكون النقاش  وقوفاً بل جعل النقاش يأخذ شكلاً ودياً بالجلوس والتحدث معهم.
- اختيار نبرة الصوت المناسبة للحديث والتكلم بصوت هادئ والابتعاد عن الاصوات العالية.
- استعينوا بفيتامين الحب كما يحلو للبعض ان يسميه وهو (التقبيل) واكثروا منه قدر الامكان فهو يزرع الثقة بين الاثنين ويزيل اسباب الخلاف.
ومع كل ما ذكرناه علينا ان نعي حقيقة مهمة وهي ان من غير المجدي ان تعلموا ابناءكم ما ليس فيكم كأن تحاولوا تربيتهم على الفضيلة وهم يرون آباءهم يسمعون المنكر ويرون الفاحشة او ان تطلبوا منهم التعامل باحترام في الوقت الذي ينسى الاب والام ذلك في علاقتهم فيما بينهم فيكونون كمن قال الله سبحانه فيهم: ((اتأمرون الناس بالبر وتنسون انفسكم)). فعليكم ايها الاباء والامهات اذا اردتم ان تكون علاقتكم بابنائكم علاقة جيدة مبنية على الاسس السليمة عليكم ان تكونوا انتم القدوة الحسنة لهم فكونوا قدوة لابنائكم.