| البكاء في الشعر العربي   عدد القراء : 401   . الشيخ محمد الفاضل بن عاشور مِنَ الكَارِعَاتِ المَاءَ بِالقَاعِ تَسْتَقِي بِأَعْجَازِهَا قَبْلَ اسْتِقاءِ الحَنَاجِرِ حتَّى يَجفَّ الغديرُ دون النهل، وإذا هي تُعاوِدُ أرْقالها على الحفَى والكلالة، حتَّى ترمي بها المفاوزُ إلى الماء الَّذي لم تزل تشوقها إليه هذه الشُّقَّة التي فصلت العلَل عن النهل، إذا هي رتعت في سواد العراق تحت الظِّلال المخضلة، ثمَّ وردت دجلة وهو يعرض نفسه، فارتوت وتشفَّت، ورعتْ من كلأ الشَّط خضرةً حلوة، حتى بطِنَت وامتدَّت خاصِرتاها. لم ينسها أيْنُها بالأمس نشاطَها اليوم، ولم تذْهل عن ظمأ الحجاز بِرِيِّ العراق، وما تزال بُروق الآل تلمع بين عينيْها وهي على حاشية النَّهر الأزْرق، فيزداد حنينُها إلى حياة الرِّمال التي لم تزل قائمةً بين جنبيها، وتدوم حليفةً لذِكرى هواجِرِها على ذلك الطَّريق القاحل، حامدةً ما لاقتْ من اللأْواءِ في أشواقها، كما قال أبو العلاء: تَذَكَّرْنَ مُرًّا بِالمَنَاظِرِ آجِنًا عَلَيْهِ مِنَ الأَرْطَى فُرُوعُ هِدَالِ وَأَعْجَبَهَا خَرْقُ العِضَاهِ أُنُوفَهَا بِمِثْلِ إِبَارٍ حُدِّدَتْ وَنِصَالِ ولا تزال في أعماق نفسِها بنتَ الشمس والرِّمال، الوفيَّة للظَّمأ والكلال، وإن أخلدت إلى التربة الخصبة، وسكنت إلى الظِّلِّ الوارف على ضفاف الأنْهار المزبدة. كذلك شأن هذا الشعر العربي، نشأ على البداوة في عصْرِ الجاهليَّة، حتى إذا اكتمل شبابُه بظهور الإسلام، فاضَ عن مهْدِه يطوف الدنيا، ويعبر المحيطين، ويكتنف الحضارات القديمة، ويستلهم غمامات البحر المتوسِّط ما أودعتْها الأجيال من رقَّة الفن، وسعة الخيال، ثم مازج روح الدنيا الجديدة في بغداد، فتردَّد من قصور الخلافة إلى نوادي الشطارة، وحلَّق من القمم المثلجة بتبريز إلى الرياض الزَّاهرة بالأندلُس، فما تغيَّرت روحُه، ولا ضاع من أعماقه عهدُ النشأة، وبقيتْ بداوته الأولى قوامَ حياته، تحقِّق له وحدته على اختلاف اللمحات، وتفيض على المظاهر الجديدة لحياتِه بأكثر مما تستمدُّ منها. وهل لهذه الحياة البدويَّة الخالدة التي بقيت روح الشعر العربي في جميع أطواره ما يحقق ماهيتها، ويميزها عن حياة المدنية والعمران، غير خاصيَّتَيها العظيمتين، وهما: الترحُّل والغارة، الطريقان الطبيعيَّان للحياة في طور البداوة من تقلُّبات الأمم، لاسيَّما في المناطق المجْدِبة، التي لا تكاد تضرب فيها أطناب الخيام على قليلٍ من العُشب والكلأ، حتى يصوح ربيعها، فتدفع غريزة تنازع البقاء إحدى القبيلتين إلى أن تُغِير على أُخْتِها، فإذا هما تتفانيان في الحروب، حتَّى إذا تداركهما الشهرُ الحرام بالأمن والسلم، اشتدَّت وطأة الجدب، فإذا الرحال تشدُّ للنجعة، وإذا المنزل الأنيس قفر خلاء، والقبيلة تتفرَّق ركابًا يقصد كُلٌّ منها إلى حيث يأمل مقامًا غير طويلٍ على المرعى، ينتابُه ما انتاب سابقَه من حرب، ويختم بما ختم به من رحلة. فكان من الطبيعي أن يَترك هذان المظهران أثرَهما البيِّن في الشِّعر الجاهلي؛ إذْ كان منشؤه في أوساط الرحَّل من العرب، بعيدًا عن القرى الخمس، التي تعتبر حواضر نسبيَّة وهذا الأثر يظهر جليًّا فيما ساد الشعرَ العربي، وانبثَّ في أغراضه المختلفة من روح اللوعة، وتناوله بواعث اللوعة المتباينة في قوالب خالدة من الشجو والروعة، هي التي حققت للشعر العربي منزلتَه الفائقة من عموم الشعر الإحساسي، وأبقَتْه على مرِّ القرون مهتف القلوب الجريحة، ومتنفَّس الأكباد الحرَّاء. كيف لا تقوى روح اللوعة، ويسود سلطان البكاء في حياةٍ قوامُها الترحُّل والغارة، وهما مَجلبة لأعظم الأرزاء، وأبلغ بواعث البكاء: الفراق والموت؟ أمَّا لوعة الفراق، فأثرٌ روحيٌّ ناشئٌ عن الارتحال، يحسُّ به أفرادٌ من القبيلة عكسًا لما يحس به مجموعها؛ إذْ لا بُدَّ للقبيلة من أن تكون قد ضمَّت مدَّة الإقامة أفرادًا من شبَّانِها، وجدت أرواحُهم من بعض فتيات القبيلة المُجاورة ما تأنس إليْه، وتشعُر نَحْوَه بالأُلْفة القديمة المتسلْسِلة من علاقات الأرْواح في عالمها العلوي، تبعًا لناموس الازْدِواج النَّوعي، كما قال جميل: تَعَلَّقَ رُوحِي رُوحَهَا قَبْلَ خَلْقِنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا كُنَّا نِطَافًا وَفِي المَهْدِ فتنشأ العلاقات الغراميَّة بين شباب القبائل مقرونةً بالبكاء والكآبة في كافَّة أطوارها؛ كما قال ذو الرّمَّة: هَلِ الحُبُّ إِلاَّ زَفْرَةٌ بَعْدَ عَبْرَةٍ وَحَرٌّ عَلَى الأَحْشَاءِ لَيْسَ لَهُ بَرْدُ وَفَيْضُ دُمُوعِ العَيْنِ يَا مَيُّ كُلَّمَا بَدَا عَلَمٌ مِنْ أَرْضِكُمْ لَمْ يَكُنْ يَبْدُو ولنتجاوز ما لا يهمُّنا هنا، ممَّا يقاسي المحب عند نشأة المحبَّة من سهام النَّظر وشبوب النيران، ثمَّ ما تفعل به حمَّى الأشْواق الأولى، من السُّهاد، وشرود الفِكْر، وانصباب الدَّمع؛ كما قال وضَّاح اليمن: وَلَقِيتُهَا تَمْشِي بِأَبْطَحَ مَرَّةً بِخَلاخِلٍ وَبِحُلَّةٍ أَكْبَاشِ فَظَلِلْتُ مَعْمُودًا وَبِتُّ مُسَهَّدًا وَدُمُوعُ عَيْنِي فِي الرِّدَاءِ غَوَاشِي ثم ما يلاقي من إعْراض المحبوب أو تصامُمه، إلى سفحه لديْه دموعَ الشكوى التي لم تخلُ منها عين عاشق، حتى قال أبو الطيب: أَتُرَاهَا لِكَثْرَةِ العُشَّاقِ تَحْسَبُ الدَّمْعَ خِلْقَةً فِي المَآقِي ولْنقِفْ على لوعة الفِراق نستجليها في المظاهر المختلفة التي تنغِّص بها على المحبِّين، فنرى الأرْواح المتآلفة في سكراتِها العشقيَّة ذاهلةً عمَّا بين القبائل من نزاع، وما هم فيه من تطاحُن، طائرة على أجنِحة الغرام إلى سماء الإيثار، من حيثُ تنظر إلى سائر الدُّنيا بعين السُّخرية؛ كما نظر أبو فراس، إذ يقول: فَلَيْتَكَ تَحْلُو وَالحَيَاةُ مَرِيرَةٌ وَلَيْتَكَ تَرْضَى وَالأَنَامُ غِضَابُ وَلَيْتَ الَّذِي بَيْنِي وَبَيْنَكَ عَامِرٌ وَبَيْنِي وَبَيْنَ العَالَمِينَ خَرَابُ حتَّى إذا حَمِي وطيس الحرْب، وتصاعد غُبارها، ففرَّق بين العشيقَين، وأخذ الشَّابَّ إلى ساحة الحرْب لا يلتفت إلى ما ترك وراءَه من هوى مقطوع، ودموع منهمِرة؛ كما قال كُثَيِّر: إِذَا مَا أَرَادَ الغَزْوَ لَمْ يَثْنِ عَزْمَهُ حَصَانٌ عَلَيْهَا عِقْدُ دُرٍّ يَزِينُهَا نَهَتْهُ فَلَمَّا لَمْ تَرَ النَّهْيَ عَاقَهُ بَكَتْ فَبَكَى مِمَّا شَجَاهَا قَطِينُهَا وَلَمْ يَثْنِهِ عِنْدَ الصَّبَابَةِ نَهْيُهَا غَدَاةَ اسْتَهَلَّتْ بِالدُّمُوعِ شُؤُونُهَا وَلَكِنْ مَضَى ذَا مِرَّةٍ مُتَثَبِّتًا لِسُنَّةِ حَقٍّ وَاضِحٍ يَسْتَبِينُهَا وبدأ يُقاتل قومًا ملء قلبِه الأشْواق إلى ابنتهم، فاحتارت نفسُه بين غرامه وواجبه، وغلَبَه التيَّار حوله، فاندفع تعمل يده للواجب، ويهتف قلبه بالغرام، مُتعجِّبًا من حاله تعجُّب عنترة إذ يقول: عُلِّقْتُهَا عَرَضًا وَأَقْتُلُ قَوْمَهَا زَعْمًا لَعَمْرُ أَبِيكَ لَيْسَ بِمَزْعَمِ أوْ راهبًا طوارئَ الفراق رهبةَ جميل؛ إذ يقول: كَأَنْ لَمْ نُحَارِبْ يَا بُثَيْنُ لَوَ انَّهَا تَكَشَّفُ غُمَّاهَا وَأَنْتِ صَدِيقُ فإذا وضعت الحرب أوْزارها، وراجع المتحابان عهودَ الوصال، لم يُتح لهما صفاء غمرة الحب الأولى؛ بسبب ما يطرأ على العلاقات من المنغِّصات، التي أوَّلها أنَّ الفراق الَّذي مارسه وقاسى لأْواءه، لا يغيب شبحه الهائل من بين عينيْه، فلا يزال يُعاوده بين الفترات، مهدِّدًا بقرب الرُّجوع في أبشع صوره وأشقِّها، فنرى المتحابَّين في هذه الحالة يبكِيان للفراق المتوقَّع قبل أن يريَاه، ونجدهما في ساعة السَّعادة منكدي القلب بذكرى الشَّقاء؛ كما قال الحماسي: وَمَا فِي الأَرْضِ أَشْقَى مِنْ مُحِبٍّ وَإِنْ وَجَدَ الهَوَى حُلْوَ المَذَاقِ تَرَاهُ بَاكِيًا فِي كُلِّ حِينٍ مَخَافَةَ فُرْقَةٍ أَوْ لاشْتِيَاقِ فَيَبْكِي إِنْ نَأَوْا شَوْقًا إِلَيْهِمْ وَيَبْكِي إِنْ دَنَوْا خَوْفَ الفِرَاقِ فَتَسْخُنُ عَيْنُهُ عِنْدَ التَّنَائِي وَ تَسْخُنُ عَيْنُهُ عِنْدَ التَّلاقِي وقد قال أبو تمَّام في وصْف هذا الإحْساس من طرف المحبوب: غَدَتْ تَسْتَجِيرُ الدَّمْعَ خَوْفَ نَوَى غَدٍ وَعَادَ قَتَادًا عِنْدَهَا كُلُّ مَرْقَدِ وبتردُّد هذه الخواطر، وشيوع هذه التخوُّفات، تصبح نفس المحب شديدةَ اللهفة على المحبوب، حرِصة على التمتُّع بوصاله، شأْن النفس البشريَّة إذا أحسَّت بقُرب الفناء في ما لديْها؛ كما قال الصّمَّة: تَمَتَّعْ مِنْ شَمِيمِ عَرَارِ نَجْدٍ فَمَا بَعْدَ العَشِيَّةِ مِنْ عَرَارِ ومن هنا أصبح لليوْم الذي قبل يوم الفراق شأنه العظيم عند أرباب الهوَى، فطالما استقبلوا غداته بالبكاء؛ كما قال ابن ميَّادة: وَمَا أَنْسَ مِ الأَشْيَاءِ لا أَنْسَ قَوْلَهَا وَأَدْمُعُهَا يُذْرِينَ حَشْوَ المَكَاحِلِ تَمَتَّعْ بِذَا اليَوْمِ القَصِيرِ فَإِنَّهُ رَهِينٌ بِأَيَّامِ الشُّهُور الأَطَاوِلِ وبانضمام هذا الحرْص الشَّديد على وِصال الحبيب، إلى أثَر عظم الأشواق، وطول احتمالها مدَّة الفراق الأوَّل، يتعاظم الشوق مع الاتصال، وهي ثاني مُنكِّدات الوصل بعد الفراق؛ كما قيل: وَأَبْرَحُ مَا يَكُونُ الشَّوْقُ يَوْمًا إِذَا دَنَتِ الدِّيَارُ مِنَ الدِّيَار حتى ينتهي إلى الدَّرجة التي قال فيها عبَّاس: وَمِنْ عَجَبٍ أَنِّي أَحِنُّ إِلَيْهِمُ وَأَسْأَلُ عَنْهُمْ مَنْ لَقِيتُ وَهُمْ مَعِي وَتَشْتَاقُهُمْ عَيْنِي وَهُمْ فِي سَوَادِهَا وَيَشْتَاقُهُمْ قَلْبِي وَهُمْ بَيْنَ أَضْلُعِي |