اصحاب الكهف   عدد القراء : 581   . ياسين رؤوف تحكى سورة الكهف, وهي السورة الثامنة عشرة من القرآن الكريم, عن مجموعة من الفتية لجؤوا إلى أحد الكهوف للاختباء من حاكم أنكر وجود الله و مارس ألواناً من القهر و الظلم على المؤمنين, ووفقا للاعتقاد السائد فإن أصحاب الكهف, الذين أثنت عليهم المصادر الإسلامية والمسيحية, تعرضوا لطغيان الإمبراطور الروماني (دقيوس) وفي محاولة من هؤلاء الفتية للتصدي لظلم دقيوس وطغيانه, حذروا قومهم مراراً من أن يتركوا دين الله , ولكن أمام إعراض قومهم, واشتداد ظلم الإمبراطور و توعده لهم بالقتل, ترك الفتية مساكنهم, وتكشف السجلات التاريخية عن عدد من الأباطرة الذين مارسوا سياسة الاضطهاد والإرهاب والتعذيب في حق المؤمنين من النصارى الأوائل الذين كانوا متمسكين بالمعتقد الأصلي الصافي , وفي خطاب أرسله الحاكم الروماني (بيلونيوس) (690-113 ميلادية) ؛ بشمال غرب الأناضول, إلى الإمبراطور (تريانيوس) ,أشار بيلونيوس إلى (أصحاب المسيح) الذين أوذوا لرفضهم عبادة تمثال الإمبراطور , و يعد هذا الخطاب أحد الوثائق الهامة التي تتحدث عن الظلم والقهر الذي تعرض له النصارى الأوائل آنذاك , وفى ظل تلك الظروف, رفض هؤلاء الفتية الخضوع لهذا النظام الكافر, و عبادة الإمبراطور إلهاً من دون الله , قال تعالى ( فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَهاً لَّقَد قُلْنَا إِذاً شَطَطاً * هَؤُلآءِ قَومُنا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّولا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِباً ) , أما بالنسبة للمكان الذي كان يعيش فيه أصحاب الكهف, فإن الآراء تتعدد وتتباين, ولكن أكثر هذه الآراء اعتدالاً هو مدينتي (إفسوس) و (طرسوس) , ويتفق بعض الباحثين المسلمين و مفسري القرآن الكريم مع المسيحيين على أن (إفسوس) هي المكان, كما أوضح آخرون بشيء من التفصيل أن مكان الكهف ليس (إفسوس). ويعتبر دقيوس, إلى جانب نيرو, هوالإمبراطور الروماني الذي نكل بالمسيحيين تنكيلاً شديداً , وأثناء فترة حكمه القصيرة, أجبر دِقيوس كل من يخضع لحكمه أن يقدم القرابين للآلهة , بل وأن يأتي بما يثبت أنه فعل ذلك ويعرضه على كبار الدولة , ومن لم يستجب منهم, كان يأمر بقتله , وتنص المصادر المسيحية على أن الغالبية العظمى من المسيحيين رفضوا ممارسة تلك الأفعال الوثنية , وهموا بالفرار من مدينة إلى أخرى, أو الإختباء فى أماكن نائية , ومن المرجح أن أصحاب الكهف كانوا من ضمن هؤلاء المسيحيون الأوائل , وفي الوقت نفسه لابد هنا من التأكيد على نقطة هامة وهى أن تلك الأحداث نقلها لنا بعض مؤرخي المسلمين والمسيحيين بما يشبه الحكاية , و تحولت بعد ذلك إلى أسطورة نتيجة لما أضيف إليه من أكاذيب وإشاعات , ولكن رغم كل ذلك فإن الحدث يعد واقعة تاريخية. ويرى الباحثون المسلمون أن الإمبراطور الذي كان يحكم البلاد في الفترة التي قام فيه أصحاب الكهف من رقدتهم اسمه (تيزوسيوس), وقد حكم هذا الإمبراطور البلاد في الفترة من 408 إلى 450 ميلادية بعدما دانت الإمبراطورية الرومانية بالمسيحية , وفي بعض التفسيرات المتعلقة بالآية التالية, قيل إن باب الكهف كان من نحو الشمال, وعليه فإن ضوء الشمس كان لا يصل إلى الداخل , ولهذا فإن من يمر على الكهف كان لا يستطيع أن يرى ما بداخله, والآية توضح هذا المعنى (وَتَرى الشَّمْسَ إذا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِم ذَاتَ اليَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ في فَجْوَةٍ مِّنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللهِ مَن يَهْدِ اللهُ فَهُوَ المُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُّرشِداً ) , وكذلك فقد كان مُقام أصحاب الكهف موضعاً للاهتمام أيام الخلافة العثمانية, وقد أُجريت بعض الأبحاث بهذا الشأن , وتمت بعض المراسلات وتبادل المعلومات حول هذا الموضوع في مخازن السجلات العثمانية برئاسة الوزراء؛ فعلى سبيل المثال, أشتمل خطاب بعثته إدارة طرسوس المحلية إلى رئيس خزانة الدولة العثمانية على طلب رسمي بإعطاء مرتبات لهؤلاء المسؤولين عن تنظيف الكهف والحفاظ عليه , ونص الرد على أنه لكي تُخَصص مرتبات لهؤلاء الأشخاص, لابد من التأكد أن هذا المكان هو بالفعل المكان الذي أقام به أصحاب الكهف , والبحث الذي أُجرى بهذا الصدد قد ساعد كثيراً في تحديد المكان الحقيقي للكهف, وبعد التحقيقات التي أجراها المجلس القومي تم إعداد تقرير ينص على الآتي إلى الشمال من مدينة طرسوس, فى بلدة عَدَنة, يوجد كهف على جبل يبعد ساعتين عن المدينة و مدخله يتجه ناحية الشمال كما أخبر القرآن الكريم.