| الأسلوب الأمثل في التعامل مع الآخرين   عدد القراء : 2596   . قال تعالى ((وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا)) ان الانسان اجتماعي بطبعه يحب تكوين علاقات وبناء الصداقات، والفطرة السليمة تمنع الانعزال التام وتستهجن الانطواء وترفض الانقطاع عن الاخرين، إن الله تعالى قرر مبدأ التعامل بين الناس وجعله ضرورة بشرية وسنة كونية، إن التعامل مع الاخرين مهارة لا يحسنها كثير من الناس فرُبّ كلمة طائشة تخرج من الفم تفسد صفاء العلاقة بين اخوين متحابين. ان هذا الموضوع من اكثر الموضوعات اهمية وصعوبة في الوقت نفسه، لأنه يتعامل مع هذا الكائن البشري المعقد لذلك كان حرياً بكل انسان ان يتعلم هذا الفن ليكسب احترام واهتمام الناس. وقد تناولت بعض الفنون الاساليب والقواعد التي ينبغي للانسان أن ينتبه لها كي يستطيع ان يكسب مودة الاخرين، ويقي نفسه مصارع السوء الناتجة عن التعامل غير الموفق مع الناس. أولاً: الكنز الذي لا يكلف درهماً هل تريد الحصول على كنز ثمين دون ان تنفق درهماً. او دولاراً واحداً؟ إذا أردت فعليك بأمر مهم لا يكلف جهداً ولا وقتاً ولا مالاً، ألا وهو الابتسامة، فالابتسامة مفتاح كل خير، ومغلاق كل شر، لها مفعولها السحري. واثرها العجيب ولا يمكن ان يتجاهل الابتسامة من يرغب في كسب الاخرين يقول الرسول (صلى الله عليه وسلم) (ابتسامتك في وجه أخيك صدقة). ويقول المثل الصيني (إن الذي لا يحسن الابتسامة لا ينبغي له ان يفتح متجراً). ويقول شواب: (وهو مدير احد مصانع الحديدالصلب في امريكا وكان يتقاضى مليون دولار سنوياً) (لقد اكسبتني ابتسامتي مليون دولار). كما ان الاشخاص الذين يظهرون وهم يبتسمون في صورهم يعتبرون أكثر جاذبية من الاشخاص اصحاب الوجوه الصخرية الجامدة ولهذا السبب فإن الاطفال الذين لا يتعلمون الابتسامة بصورة ملائمة ولائقة يجدون انفسهم منبوذين في ساحة اللعب كما توصف المرأة التي تكثر الابتسامة بانها تمتلك انوثة كاملة بينما يوصف الرجل كثير الابتسام بأنه اجتماعي. ثانياً: من سقطت كلفته دامت الفته. بمعنى ان لا تتكلف للآخرين وتحمّل نفسك ما لا تطيق وكذلك لا تكلف الآخرين ما يشق عليهم من الاعباء والواجبات والهموم فلا تضطرهم إلى تكلف المجاملة والتواضع والتفقد لأحوالك والقيام بحقوقك، يقول الامام جعفر الصادق (رضي الله عنه) ((أثقل اخواني علي من يتكلف لي واتحفظ منه، واخفهم على قلبي من اكون معه كما اكون وحدي)) وقال الفضيل (رحمه الله) (انما تقاطع الناس بالتكلف يزور احدهم أخاه فيتكلف له فيقطعه ذلك عنه وقيل كذلك: (من سقطت كلفته دامت ألفته، ومن خفت مؤنته دامت مودته)). ثالثاً: لا تحط من مكانه أحد أن المدح المقتصد يؤثر في الناس، فمهما كان ورعهم وزهدهم وبعدهم عن المظاهر، لكنهم عند كلمة الثناء يتأثرون لها ويرتاحون. ان الكلمة اللينة تفعل فعلها في القلوب وإن منهج الحق الموروث عن نبي الحق هو انزال الناس منازلهم من التبجيل والتكريم، وإنها موهبة ربانية أن تسعد الناس وأن تسعد نفسك بحسن تعاملك. إن مؤلف كتاب (كيف تكسب الأصدقاء)؟ يرى أن من عوامل جذب الناس هو التبذير في مدحهم والإسراف في الثناء عليهم ولا أرى هذا وإنما الاقتصاد والاعتدال في ذلك. فلا تملق مكشوف مفتعل، ولا جفاء وجفاف قاحل وإن من سعادتنا كسب الناس،لأنهم اهل الثناء والدعاء والمحبة، إذاً فاحذر أن تلغي مكانة أحدٍ مهما كانت، أو أن تزدري الآخرين وتغض من قدرهم. وقد ذكر طه حسين في كتابه (الايام)، ان شيخاً في الأزهر أتى يمتحنه وقت القبول، فقال له: اقرأ يا أعمى سورة الكهف. وبقيت هذه الكلمة في أذن طه حسين تهزه وتزعجه، وكان من نتائجها أن انقض على الأزهر ساباً وناقماًً وشاتماً، ثم تركه إلى الأبد، فماذا استفدت انت وانا من تحطيم الآخرين؟! إنهم لن يتراجعوا عن سيرهم، ولكننا نكدر أفراحهم ونكسب عداءهم ومقتهم فعليك أن تثني على الجانب المشرق في حياة الناس وتشيد بصفات الخير فيهم. وتشكر لهم فضائلهم، وتغض طرفك عن مساوئهم وتقصيرهم. رابعاً: استقبال الأذى من الناس أن تلقى من آذاك ببشر وبكلمة طيبة، وبوجه طليق لتنزع منه أتون العداوة، وتطفىء نار الخصومة وترحم من آذاك، فإنه يستحق الرحمة، فإن اصراره على الأذى وجرأته على مجاهرة الله بأذيه المسلم، يستحق أن ترق له وأن ترحمه وأن تنقذه من هذا، فهذا سيدنا يوسف قال لأخوته ((لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين)) واعلنها (صلى الله عليه وسلم) في الملأ فيمن آذاه وطرده وحاربه من كفار قريش قال (اذهبوا فأنتم الطلقاء). قال ابن المبارك رحمه الله: إذا صاحبت قوماً اهل ودًًًّ فكن لهم كذي الرحم الشفيق ولا تأخذ بزلة كل قوم فتبقى في الزمان بلا رفيق. وقال الهنود في مثل لهم (الذي يقهر نفسه اشجع من الذي يفتح مدينة). خامساً: لا تحزن من نقد أهل الباطل والحساد فإنك مأجور من نقدهم وحسدهم- على صبرك ثم إن الناس لا ترفس كلباً ميتاً- والتافهين لا حساد لهم قال أحدهم: حسدوا الفتى اذ لم ينالوا سعيه فالناس اعداء له وخصوم كغرائز الحسناء قلن لوجهها حسداً ومقتاً إنه لرميم سأل موسى ربه ان يكف السنة الناس عنه فقال الله عز وجل: (يا موسى، ما اتخذت ذلك لنفسي، إني اخلقهم وارزقهم، وإنهم ليسبونني ويشتمونني). إنك لن تستطيع ان تعتقل السنة البشر عن فري عرضك ولكنك تستطيع ان تفعل الخير، وتجتنب كلامهم ونقدهم: ولقد أمر على السفينة يسبني فمضيق ثمه قلت لا يعنيني وقال آخر: لا يضر البحر امسى زاخراً إنْ رمى فيه غلام بحجر سادساً: لا تحزن ما دمت تحسن إلى الناس إن الاحسان إلى الناس طريق السعادة ومحبة الخير للناس موهبة ربانية، كان ابن المبارك له جارٌ يهودي فكان يبدأ فيطعم اليهودي قبل ابنائه ويكسوه قبل ابنائه فقالوا لليهودي: بعنا دارك قال: داري بألفي دينار ألف قيمتها والف جوار ابن المبارك فسمع ابن المبارك بذلك فقال: اللهم إلى الاسلام، فأسلم بإذن الله. ومر ابن المبارك حاجاً بقافلة، فرأى امرأة اخذت غراباً ميتاً من مزبلة، فأرسل في اثرها غلامه فسألها، فقالت: ما لنا منذ ثلاثة أيام إلا ما يلقى فيها، فدمعت عيناه وأمر بتوزيع القافلة في القرية، وعاد وترك حجته تلك السنة فرأى في منامه قائلاً يقول: حجٌ مبرور وسعيٌ مشكور وذنب مغفور. قال ابن السماك (عجبت لمن يشتري المماليك بماله ولا يشتري الآخرين بمعروفه). وفي هذا يقول ابن عمر: احسن إلى الناس تستعبد قلوبهم فطالما استعبد الانسان احسان وقيل لبعض الحكماء: من أحب الناس اليك؟ قال من كثرت اياديه عندي، قيل: فان لم يكن، قال: من كثرت أيادي عنده. وحكي أن امرأة سألت ابن سعد (رحمه الله) شيئاً من العسل، فأمر بها بزق من عسل، فقيل له انها كانت تقنع بدون هذا؟ فقال: انها سألت على قدر حاجتها ونحن نعطيها على قدر النعمة علينا. فما أحوجنا في هذا الزمان الى مثل أولئك فهلا اقتدينا بهم. |