العادات الحسنة وأثرها في التربية الصحيحة   عدد القراء : 2141   .

إن القيام بالعمل النافع يعد أثراً من آثار التربية، وغاية مرغوباً فيها، ولا قيمة لفكرة نظرية ما لم تؤد إلى نتيجة عملية، ولذلك كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: ((اللهم أني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن دعاء لا يسمع، ومن قلب لايخشع، ومن نفس لا تشبع....)).
ويدل على اهمية العمل، وعدم جدوى الأفكار النظرية ما لم تكن مصحوبة به: اقتران العمل الصالح بالايمان في كثير من آيات الذكر الحكيم: ((وَعَدَ اللهُ الذينَ آمنُوا وَعَمِلوا الصَّالِحَاتِ لهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأجْرٌ عَظِيمٌ)).
وفال تعالى:((إنَّ الذينَ آمَنَوا وَعَمِلوا الصَّالِحَاتِ وَأخْبَتُوا إلى رَبَّهِمْ أولئِكَ أصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فيهَا خَالِدُونَ)).
وقال تعالى:((الَّذِينَ آمَنَوا وَعَمِلوا الصَّالِحَاتِ طوبى لهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍٍ)).
ويبقى التعلم النظري باهتاً ضعيف الأثر حتى بالتدريب العلمي، فلتعلم قيادة السيارة مثلاً لا يكفي أن تتعلم كيف تدير المحرك، وكيف تجعلها تسير، وكيف تتغير السرعة، ثم كيف توقف السيارة وتطفىء محركها نظرياً، بل لا بد من محاولة ذلك وتكراره عملياً لساعات طويلة حتى تكسب المهارة المطلوبة.
ولقد اعتمد هذا الدين على التربية بالعمل من أول الدعوة؛ فكان الواحد من الصحابة حين يعتنق الاسلام يدفعه الرسول(صلى الله عليه وسلم) إلى من يعلمه ما نزل من القرآن الكريم فيتعلم عشر آيات، ويقول لمن يعلمه: دعني حتى أذهب وأعمل بهذه الآيات، ثم أعود فأتعلم غيرها.
فعن ابن مسعود- رضي الله عنه- قال: (كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معناهن والعمل بهنَّ)).
وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه أحكام الدين بطريقة عملية كلما كانت هذه الطريقة هي الأجدى في تعليمها، فلتعليمهم الوضوء لم يجلسهم أمامه ويكلمهم عن أركانه وسننه وآدابه وشروطه، وإنما توضأ أمامهم، وأمرهم بأن يتوضأوا مثله، واصبحوا هم يعلّمون غيرهم الوضوء بهذه الطريقة العملية البسيطة.
عن حمران مولى ابن عفان- رضي الله عنه- أنه رأى عثمان دعا بوضوء، فأفرغ على يده من إنائه فغسلها ثلاث مرات، ثم أدخل يمينه في الوضوء، ثم تمضمض، واستنشق واستنثر، ثم غسل وجهه ثلاث مرات، ويديه إلى المرفقين ثلاثاً، ثم مسح برأسه، ثم غسل كل رجل ثلاثاً، ثم قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم توضأ نحو وضوئي هذا، وقال: (( من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه)).
ولم تختلف طريقة تعليم الغسل عن ذلك، فقد قال أبو سلمة رضي الله عنه-: ((دخلت أنا وأخو عائشة، فسألها أخوها عن غسل النبي (صلى الله عليه وسلم) فدعت بإناء نحوا من صاع فاغتسلت، وافاضت على رأسها، وبيننا وبينها حجاب)).
والسيدة عائشة - رضي الله عنها - وهي خالة أبي سلمة من الرضاع، أرضعته أختها أم كلثوم، وقد اغتسلت امامهما بعد أن سترت أسافل بدنها مما لا يحل للمحرم النظر إليه.
وظاهر الحديث انهما رأيا عملها في رأسها وأعالي جسدها مما لا يحل للمحرم النظر اليه.
والحديث يدل بشكل واضح أن التربية العملية هي الطريقة المفضلة في التربية، كلما كانت ميسورة. وقد قال الامام ابن حجر العسقلاني في شرح هذا الحديث: ((وفي فعل عائشة دلالة على استحباب التعليم بالفعل؛ لأنه أوقع في النفس، ولما كان السؤال محتملاً للكيفية والكمية ثبت لهما ما يدل على الامرين معاً، أما الكيفية فبالاقتصار على إفاضة الماء، وأما الكمية فبالاكتفاء بالصاع)).
وبهذا كان للمنهج الإسلامي في التربية فضل السبق على((لوثر)) الذي نادى بأن تكون التربية عملية، والعمل في احدى المهن إلى جانب التربية النظرية، ورأى أن يرسل الفتيان إلى المدرسة ساعة أو ساعتين في اليوم، وأن يتعلموا مهنة في البيت فيما تبقى من الوقت.
وعلى ((روسو)) الذي قال في القرن الثامن عشر: إني لا أمل تكرار تلك الحقيقة، وهي: إن جميع دروس الأطفال يجب أن تكون بطريقة العمل لا بطريقة الالفاظ، لا تعلمهم شيئاً من الكتب يمكن أن يتعلموه بطريقة الخبرة.
وكلنا يعلم أن الانسان حينما يكرر الاعمال التي يعملها مرات عديدة، تصبح عادة متأصلة في نفسه، والانسان يخضع لعادات كثيرة في حياته، يقوم بها تلقائياً دون أن يعيرها كبير انتباه، ولذلك يحرص المربون على تكوين العادات الحسنة وترك العادات السيئة.
ولقد نظم الاسلام حياة الناس تنظيماً شاملاً، سواء في شعائرهم التعبدية أو في شؤونهم اليومية فجعلهم يعتادون البدء بالجانب الأيمن من أعضائهم في كل أمر حسن، كالوضوء والغسل والتنعل والترجل ودخول المسجد مثلاً.
قال الامام النووي: ((يستحب أن يبتدأ في لبس الثوب والنعل والسراويل وشبهها باليمنى من كميه ورجلي السراويل، ويخلع الأيسر ثم الأيمن، وكذلك الاكتحال والسواك وتقليم الاظافر وقص الشارب ونتف الابط وحلق الرأس والسلام من الصلاة ودخول المسجد والخروج من الخلاء والوضوء والغسل والأكل والشرب والمصافحة واستلام الحجر الأسود، وأخذ الحاجة من الانسان ودفعها إليه، وما أشبه ذلك، فكله يفعله باليمنى وضده بايسار)).
وقال أيضاً: ((قاعدة الشرع المستمرة استحباب البداءة باليمنى في كل ما كان من باب التكريم والتزين، وما كان بضدهما استحب فيه التياسر)).