| اقول لكم   عدد القراء : 475   .
عبد الرحمن فاضل الشعر: حقيقة وخيال ايعد الشعر أحد أهم المتنفسات التي تنبعث من عمق الروح، ويناغم لحنه شغاف القلوب، ليزيل ما تراكم من هموم وغموم ولوعات وآهات الزمان على نوافذ المشاعر، ويحيلها إلى نسائم تروّح الأبدان، حتى سار عند الناس اعتقاد في الماضي أن الشاعر له قرين من الجن يحدّثه بهذا الكلام العجيب الساحر. والشعر له عمر طويل مع الإنسان، وقد ظهر عند العرب قبل 150-200 سنة تقريباً قبل الإسلام، ومرّ بمراحل عدة تنوعت أشكاله، وتغيرت أوزانه وأحواله، وكان لكل زمن شعراؤه المفوهون، بدءً من الشعر الجاهلي ذي المقدمة الطللية الموشح بفصيح الكلام وغريبه والذي يسبح بصاحبه في سماء الخيال محلقاً على مناظر تذهل العقول في وصفها، و مروراً بالشعر الإسلامي في عصر النبوة والخلافة الراشدة إذ أخذ منحنى سرد الحقائق العظمى، وتثبيت الأمور النافعة المهمة من توحيد الله تعالى والاعتقاد بالموت والبعث والجزاء، وحب الله ورسوله والدين، والدفاع عنهما إلى آخر هذه الأهداف التي دعا إليها الدين بصورة تتلاحم وتتلازم فيها الوقائع وما يقدم الإنسان من عمل. ثم العصر الأموي والعباسي وهما لا يختلفان كثيراً من ناحية الالوان الشعرية وطروحاتها المتراوحة بين(الغزل والوصف والرثاء والمديح والفخر والهجاء) مع انبثاق ألوان مطعّمه لهذه الصورة تمثلت بشعر الزهد وشعر غزل الغلمان والشعر التعلمي وشعر الموشحات الاندلسية. وصولاً الى الشعر الحديث والمعاصر المصطبغ بآثار الماضي وتأثيرات الحاضر من اشكال الحداثة والعصرنة وغيرها. وفي كل هذا لم يخل عصر ولا شاعر من تجاذبات النقد المؤيدة والمعارضة الناصحة والناقمة. وسنقف هنا عند النقد الموجّه الى (الشعر الإسلامي) على وجه الخصوص كوننا نرتبط به بأواصر متينة أسست على تقوى من الله. وهنا نذكر مقولة رددها النقاد القدامى والمحدثون منهم مفادها:( ان الدين قد أضعف الشعر) لاسيما إذا علمنا ان الشعر مبني على الخيال والعاطفة والمجاز مع قوله تعالى:(وَالشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ{224} أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ{225} وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ{226} إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ). ونقول: إن الشعر هو تعبير نفسي عن حالةِ، أو هو ارتداد للمشاعر تفيض على الجوارح فتنطق به افواهنا على شكل كلمات. لذا سمي الشاعر شاعراً لأنه يشعر بما لا يشعر به غيره وعلى هذا الاساس تنوعت معاني الشعر و تعددت حسب ميول وهوى أهله، فكان منه الشعر المتحرر من القيود والجهات والدين والخلق من أمثلة الشعر الغزلي الماجن، والهجاء اللاذع، والوصف البذيء، وقد شط هذا النوع بعيداً متجاوزاً افق الخيال والمعقول. كما كان من الشعر شعر منضبط بعباراته يستمد غذاءه من شريعة هادية مهدية تخاطب العقل ولا تنسى نصيب العاطفة بشكل متوازن يعطي كلاً حقه، وهو الشعر الإسلامي، فنجده يدور في فلك مجاهدة النفس وحب الخير والدعوة الى العمل الصالح منطلقاً من هدف سام ليتجه الى هدف أسما، فهو ليس شعراً غايته الشعر والإنشاد والإعجاب، وانما هو هدف يتحقق بالشعر. وقد تصدق روايتهم عن كون الشعر الاسلامي قد أضعف الشعر لأنه يحكم العقل قبل العاطفة، ويرسم الكلمات بواقعية كبيرة كما أسلفنا من هذا الباب. ويبقى الشعر يحتل المراتب العليا في نفوس الناس وحياتهم بكل أصنافه التي تنأى عن الرذيلة وتهيم بالمشاعر في عوالم الجمال.
|