| تفجيرات لندن.. هل للمخابرات البريطانية من دور؟   عدد القراء : 1357   . وعلى النقيض من ذلك، بدأت أقلام بريطانية توجه أصابع الاتهام إلى مسؤولين بريطانيين يحتلون مناصب قيادية عليا في المخابرات البريطانية( MI-6، )إن لم يكن بالاشتراك الفعلي في تنفيذ هذه التفجيرات، فبالمشاركة السلبية عبر الصمت وتسهيل مهمة منفذي التفجيرات أو عن طريق عدم تقديم معلومات ذات قيمة لجهاز الشرطة البريطاني فضلا عن علاقتها الوثيقة بالمسؤول الأول عن تجنيد منفذي التفجيرات وهو (هارون راشد أسود) الزامبي الأصل والذي يحمل الجنسية البريطانية. هذه المؤشرات تضع في قلوب وعقول المسلمين في بريطانيا وأوربا كلها دهشة وحيرة حول تلك السرعة التي اتخذ بها رئيس الوزراء البريطاني (توني بلير) العديد من الإجراءات التي يراها المسلمون تقييدا لحقوقهم وإجحافا شديدا بحق 1.7 مليون مسلم بريطاني، لا سيما أنها لم تنتظر ظهور ولو بعض النتائج الأولية للتحقيقات. ثمة عدد من التحليلات والكتابات تكاد لا تصدق أن منظمة كالقاعدة تستطيع أن تقوم بهذا الكم من التفجيرات وقائدها ينتقل من كهف إلى مغارة، وألا تقدر أعتى أجهزة المخابرات في العالم -الأمريكية منها والإسرائيلية والبريطانية- بما تمتلكه من قدرات بشرية وتكنولوجية تمكنها من التنصت على القريب والبعيد، أن تمنع تنظيما مثل القاعدة أو بعض التنظيمات الداخلية من أن تنقل المتفجرات بكل حرية وتفلت من وسائل التفتيش ومن أجهزة المراقبة الحديثة الموجودة في المطارات، وأن يستطيع أعضاؤها الحصول على تأشيرة الدخول (الفيزا) إلى هذه الدول بكل هذه البساطة. وتعتبر هذه الكتابات ذلك دليلا على استحالة تنفيذ هذه العمليات دون مساعدة أجهزة المخابرات لهذه التنظيمات أو تقديم التسهيلات لها أو غض الطرف عن بعض عملياتها تحقيقا لأغراض أمنية وسياسية مقصودة. جدل بريطاني بعيدا عن هذه الكتابات التي ربما لا تستطيع أن تقدم دليلا أكيدا على تخميناتها هذه، يبدو من الضروري الاستناد إلى ما يتداول داخل بريطانيا وخارجها أيضا حول تفجيرات لندن وما أصبح يحيطها من شكوك عدة قد ترجح كفة أصحاب هذا التفسير السابق. ويمكن عرض ذلك الجدل الدائر حول هذه التفجيرات في بعض النقاط التالية: أولا- يرى بعض الكتاب البريطانيين أن كل الأدلة التي تظهر تباعا حول تفجيرات 7 تموز الماضي تؤكد نتيجة واضحة هي أن بعض المسؤولين في المخابرات البريطانية لهم علاقة بشكل أو بآخر بهذه التفجيرات، ويستندون في ذلك على شهادة العديد من الأشخاص الذين تواجدوا في محطات القطار أثناء التفجيرات، فهم يؤكدون أنهم لم يروا الأشخاص الأربعة ذوي البشرة السمراء الذين يحملون حقائب قيل إن فيها قنابل كما رصدتهم كاميرات المراقبة، بل يؤكد بعضهم أن هذه القنابل كانت موضوعة تحت قضبان قطار المترو. وعلى سبيل المثال، يذكر أحد شهود العيان لصحيفة Cambridge Evening News وهو (بروس لات) الذي نجا من تفجيرات محطة (ألدجات) أنه سمع شرطيا يقول للآخر: (تذكر المكان حيث توجد القنبلة)، وأنه قد نظر صوب هذا المكان فلم يجد أي شخص قريب منه أو أية حقيبة متروكة، لكنه رأى شريط القطار بدا مشدودا لأعلى كأن شيئا قد وضع أسفله. ويروي شاهد آخر لصحيفة (الغارديان) تعجبه من سقوط سقف عربة القطار وكيف يمكن لقنبلة أن تحدث ذلك الأثر ما لم تكن موضوعة بدقة فوق سطح العربة. ثانيا- يدور الجدل أيضا حول قيام قوات الأمن بإجراء تدريبات صباح يوم التفجيرات بالاشتراك مع إحدى شركات إدارة الأزمات، والتي كانت تقوم بوضع أجهزة تفجير وهمية لغرض التدريب على مثل هذه الأحداث، فقد أكد (بيتر باور) مدير هذه الشركة والمسؤول السابق في جهاز الشرطة البريطاني (إسكوتلاند يارد) لإذاعة الـ (بي بي سي) مساء يوم 7 تموز أن نحو 1000 فرد كانوا يمارسون تدريبات لمواجهة احتمالية حدوث انفجارات تحت الأرض في الأماكن نفسها التي حدثت فيها التفجيرات، إلا أنها قد تحولت من تدريب إلى واقع حي. هنا يثور التساؤل: هل كان مصادفة أن يتم حشد هذه المجموعة من المتدربين في الأماكن نفسها وفي توقيت حدوث التفجيرات نفسه؟. ثالثا- ما نقلته وكالة (أسوشيتدبرس) يوم وقوع تفجيرات 7 تموز من أن السفارة الإسرائيلية تلقت قبل دقائق من وقوع التفجيرات تحذيرات من الشرطة البريطانية -إثر تلقي الأخيرة هذه التحذيرات من المخابرات البريطانية- بإمكانية وقوع تفجيرات وشيكة بالقرب من مكان سيعقد فيه وزير المالية الإسرائيلي (بنيامين نتنياهو) اجتماعا اقتصاديا؛ مما اضطر السفارة إلى رفع درجة التأهب القصوى ومنع كل الموجودين فيها من الخروج في هذا اليوم. وهذا الأمر برمته قد أكدته إذاعة الجيش الإسرائيلي عقب ساعات من وقوع التفجيرات. والسؤال هو: لماذا تتلكأ المخابرات في تقديم ما لديها من معلومات كاملة لأجهزة الأمن حول هذه التفجيرات؟ ولماذا تحديدا يتم إخبار السفارة الإسرائيلية قبل تحرك المسؤولين الإسرائيليين لحضور اجتماعهم الاقتصادي مع مسؤولين بريطانيين؟. تساؤلات مربكة رابعا- تمتلئ الصحف البريطانية بالعديد من التساؤلات المحيرة والمربكة التي لا تنتهي، ومنها لماذا ذكر خبراء المتفجرات أولا أن المتفجرات المستخدمة لم تكن بريطانية المصدر ثم ذكروا بعد ذلك أنها محلية الصنع دون تقديم أي سبب لذلك؟ لماذا تعطلت الكاميرات التي ترصد الباص المستهدف في هذا اليوم في تافيستوك؟ ولماذا غيّر الباص اتجاهه العادي الذي يسير فيه يوميا؟ ولماذا لم يسلك (30) باصاً آخر الطريق نفسه مع أنه ضمن خط سيرهم الطبيعي؟ ماذا نقول بشأن أقوال عمال محطة (ستادج كوش) الذين تعجبوا من قيام مجموعة غير معروفة لديهم من المهندسين باختبار الكاميرات قبل أيام من التفجيرات، وأنهم نفذوا مهمتهم في يومين مع أن العاملين قد اعتادوا ألا يستغرق هذا العمل أكثر من ساعات قليلة؟. لماذا غيّرت الشرطة ما ذكرته عن ملابس البرازيلي (جون شارلز مينزيس) الذي قتل في محطة مترو (ستوكويل)؟ ولماذا تذكر تقارير وسائل الإعلام أن (مينزيس) قد أطلق عليه النار في منطقة البطن ثم تغير القصة لتشير إلى أنه من الغباء أن يتم ضرب مشتبه يحمل متفجرات في هذا الجزء من الجسم الذي من المحتمل أن تكون المتفجرات به؟ هل (مينزيس) وهو مهندس كهرباء اكتشف شيئا عن حقيقة التدريبات التي كانت تجري وقت التفجيرات؟. لماذا قرر المسؤول عن الاحتياطي الفيدرالي البريطاني (آلن غرينسبان) ضخ ما يقرب من 40 بليون جنيه إسترليني إلى أسواق المال قبل يومين فقط من حدوث الهجمات؟ وإذا كان لديه معلومات عن التفجيرات، فلماذا لم يتم تحذير رواد الباصات والقطارات من إمكانية حدوث التفجيرات؟. لماذا رفض (توني بلير) على الفور إجراء (تحقيق علني عام) حول أسباب وكيفية حدوث هذه التفجيرات، مع أن هذا الإجراء يتم في بريطانيا عند كل حادثة حتى لو كانت صغيرة؟ وبعد تراجيديا التفجيرات الخاطفة، أغلق بلير هذا الباب، فما الذي أخاف بلير إذن؟. هل من دور للمخابرات البريطانية؟ خامسا- يدور جدل آخر حول علاقة المخابرات البريطانية بالعقل المدبر لهذه التفجيرات وهو (هارون راشد أسود)، حيث يذكر البروفسور (ميشيل غوسودويسكي) أستاذ الاقتصاد في جامعة (أوتاوا) ورئيس مركز أبحاث العولمة أن للمخابرات البريطانية علاقات قوية مع القائمين بعمليات التفجير التي وقعت في لندن، لأنها استقدمت (هارون أسود) إلى لندن واستخدمته بعد أن كان يجري البحث عنه في زامبيا. واستند إلى ما أشارت إليه كل من قناة (فوكس نيوز)وجريدة (نيوز ريبابليك) الأمريكيتين، وقال بأنهما انتهجتا تفسيرا مختلفا عن تفسير الحكومة والمخابرات ووسائل الإعلام البريطانية؛ لأنهما ذكرتا بأن (هارون أسود) التقى ثلاثة مشبوهين قبل أسبوع واحد من تفجيرات لندن وأن سجل الهواتف النقالة الموجود لدى المخابرات يدل على أنه تحدث قبل ثلاثة أسابيع مع هؤلاء المشبوهين عشرين مرة، وأن المخابرات البريطانية كانت على علم تام بجميع هذه المكالمات وبمضامينها، أي كانت على علم بنية هؤلاء. ويرى (جون لوفتوز) الخبير في شؤون المخابرات والمدعي العام السابق في وزارة العدل الأمريكية في حوار أجرته معه قناة(Fox News)في 29 تموز 2005 أن (هارون أسود) يعمل في منظمة (المهاجرون)، وأن المخابرات البريطانية أنشأت علاقات مع العديد من المهاجرين العرب والمسلمين الذين حصلوا على الجنسية البريطانية ويعملون في هذه (المنظمة الإرهابية)، كما ذكر أحد الأئمة المسلمين في لقاءات قامت بها الصحف البريطانية عام 2001 أن علاقة المنظمة مع المخابرات البريطانية (MI-6)بدأت منذ عام 1995 أثناء حروب البوسنة وكوسوفا. وقد ذكر (لوفتوز) أنه بينما كان يزود (هارون أسود) المخابرات البريطانية والأمريكية بمعلومات عن تنظيم القاعدة، كان في الوقت نفسه يشارك في عمليات القاعدة. وقد وجهت المخابرات المركزية الأمريكية ( CIA )وكذلك المخابرات الإسرائيلية (الموساد) اتهاما للمخابرات البريطانية لأنها سمحت للمجموعات الإرهابية التي لها علاقة بتنظيم القاعدة بالعيش في بريطانيا من أجل استمرار تدفق المعلومات والأخبار إليها من هذه المجموعات، ولذلك أخفت المخابرات البريطانية (هارون) في مكان آمن في جنوب إفريقيا وأذاعت خبر موته في الوقت نفسه الذي كانت تبحث عنه الشرطة البريطانية والمخابرات الأمريكية. ويتابع (لوفتوز) قائلا إنه قبل أسبوعين فقط من تفجيرات لندن حضر (هارون) إلى لندن بكل حرية وكأنه في نزهة، ثم غادرها قبل يوم واحد من التفجيرات، ولم يتم القبض عليه في مطار لندن لا عند دخوله أو مغادرته البلاد. والغريب أن (هارون) لم يكن مسجلا في قائمة الإرهابيين، ثم سجل فيها فيما بعد، لأنه كان من عملاء المخابرات البريطانية الجيدين بحيث كان من الصعب عليها التفريط فيه أو الاستغناء عن خدماته بسهولة. وقام هارون -المسؤول الأول عن تفجيرات لندن- بالسفر جوا إلى باكستان قبل يوم واحد من التفجيرات ولكن السلطات الباكستانية ألقت القبض عليه وسجنته لأنه كان معروفا عندها كإرهابي، فكيف لم يكن معروفا لدى المخابرات البريطانية؟ والعجيب أنها قامت بإطلاق سراحه بعد يوم واحد فقط من اعتقاله... والظاهر أن طلبا جاءها من المخابرات البريطانية بإطلاق سراحه وعدم التعرض له، ثم سافر هذا العميل من باكستان إلى جنوب إفريقيا وذهب منها إلى زامبيا حيث تم القبض عليه هناك، وسلم إلى السلطات الأمريكية التي تستجوبه الآن، وتحاول فهم ظروف عملية تفجيرات لندن الإرهابية والظروف التي أحاطت بها والأشخاص الذين تورطوا فيها والأصابع الخفية الموجودة وراءها. إن كل هذه المعلومات تكاد تظهر أن المخابرات الغربية ليست بعيدة عن هذه العمليات الإرهابية التي يعد المسلمون في أوربا أول المتضررين منها بتعرضهم لمضايقات كثيرة من السلطات الرسمية الغربية، واعتداءات من قبل بعض المتطرفين اليمينيين هناك. ولا تزال الشكوك تدور بقوة حول قيام المخابرات البريطانية باستغلال منظمة (المهاجرون) بمهارة، وأنها كانت من مدبري تفجيرات لندن التي أقامت الدنيا على مسلمي أوربا كلها، فهل تثبت الأيام أن هناك من يسعى لتشويه صورة مسلمي أوربا أو يعمل على تقليم أظافرهم ونبذ حقوقهم أو الرحيل عن أوربا؟ أيضا هل تتضح حقيقة هذا التشابك في علاقة كل من المخابرات الأمريكية والبريطانية والإسرائيلية بالمسؤول الأول عن تفجيرات لندن (هارون أسود)؟ أم يبقى الأمر محض أسرار مخابراتية غير قابلة للإعلان عنها تتيه الحقائق؟. |