| العراق والطوفان..وإشكالية التغيير   عدد القراء : 1353   . (انه من قبيل العجرفة الاندفاع الى الحكم بشأن حرب لم تنته ... فالتأريخ مليء بمحاولات اصدار أحكام فورية حول دروس للحرب برهنت على أنها تقوم على معلومات وافتراضات زائفة). انتوني كوردسمان مركز الدراسات الاستراتيجية - واشنطن بعد ان تلاطمت الامواج وتصاعدت السحب فتلبدت السماء بغيوم سوداء ،فانهمر المطر بعد حين على ارض السواد ، فتشققت الاراضي لتمتلىء بمياه المطر!!! ولكن المطر قد انهمر بمياه غريبة تختلف عن تركيبة المياه العراقية ،مياه طعمها مالح غير مهيأة للشرب ،كذلك كان لابد لهذه المياه ان تنقى وتصفى لكي تكون مهيأة للاستخدام والاستعمال المجتمعي. ومن هذه المياه غير الجاهزة صعدت فقاعة التغيير هذه الكلمة النعمة والنقمة في آن واحد ،صغيرة الحجم كبيرة الدلالة ،والتي ادخلت العراق في مرحلة لم تكن على حسبان المجتمع العراقي حتى ان الحكومة الحالية والتي تشكلت من الاحزاب السياسية العراقية عندما كانت في المنفى سئلت من قبل اذاعة راديو (سوا) اثناء مؤتمر صلاح الدين 2003 في كردستان العراق احد المسؤولين في احد الاحزاب السياسية والذي لم استطع سماع صوته بسبب رداءة جهاز الراديو ووجود التشويش ...هل انتم مؤهلون لادارة شؤون البلاد ؟ فأجاب المسؤول اننا غير مؤهلين سايكلوجيا وليس فنيا واداريا ،ولعل مخرجات التغيير اثرت على الشارع العراقي بمختلف انتماءاته وفئاته المجتمعية. ولكن ثمة اشكاليات طرحها التغيير كان لها صدى على واقع المجتمع العراقي ،فالاولى هي حقيقة التغيير ذاته وجوهره ،فالتغيير لم يستجب لرغبات وتطلعات المجتمع العراقي ،فالمجتمع العراقي اراد تغييراً جذرياً وليس شكلياً وديكورات يتجمل بها العراق. اما الاشكالية الثانية فهي ان التغيير كان فوقياً وليس في البنى التحتية اي بمعنى اخر ان الذي تغير هو فقط النظام السياسي ولكن الخدمات لم تتغير والوزارات لم يتم فيها القضاء على الفساد الاداري والرشوة فقد وصلت تسعيرة التعيينات في الوزارات الى مبالغ ضخمة ،ولذلك فإن الناس المنحلة وزاراتهم لايمتلكون اعمالا وابتدأوا ينادون بالمطالبة بالرجوع الى اعمالهم السابقة وهذا ما ينطبق على منتسبي وزارة الدفاع والدوائر الامنية المنحلة ومنتسبي الاعلام الذين حلت مشكلاتهم بعد معاناة طويلة والذي كان على الحكومة منذ بداية تسلمها للسلطة ان تقوم باعادتهم بأسرع وقت ممكن لدعم الاستقرار الداخلي وكسب الرأي العام لصالح تكوين شرعية افتراضية من اجل تفعيل دور الحكومة ورغم الخطوات الايجابية التي اتخذتها اتجاه منتسبي هذه الوزارات لكنها كانت توصف بالايقاع البطيء للاصلاح. ثم ان الاشكالية الاخرى هي ان التغيير أريد به ان يكون دفعة واحدة وليس هدفاً مرحلياً مما ولد صراعاً بين الاصالة المبنية على العادات والتقاليد المجتمعية المتعارف عليها داخل المجتمع العراقي والحداثة التي جاء بها المطر وتمثلت بنشر قيم العنف والنهب والسلب مباشرة بعد الطوفان الذي اصاب ارض السواد جراء المطر، والتي اثرت على الواقع العراقي فكانت مردوداتها سلبية تمثلت بزيادة اعمال العنف. كذلك ان الفضائيات لعبت دورا جديدا في هذه المرحلة من خلال ماطرح انها محرضة على اعمال العنف بل بات الخبر العراقي تجارة ناجحة ومربحة،مما ادى الى ارباك الوضع الداخلي. ولذلك كان لابد للتغيير الذي جاء به المطر ان يتلاءم مع المنظومة القيمية متخذا بذلك المرحلة الاولى للتغيير ومن ثم ننتقل للمرحلة الثانية بعد ان يأخذ المجتمع قسطا من الراحة لاجل الديمومة في التفكير ان كان المطر حقا في التغيير ام لا. وفجأة يطرق المطر بقطراته الثقيلة على شبابيك مجلس الامن ليستصدر القرار المشؤوم 1483 والصادر عام 2003 ، والذي عدل بقرار 1546 والصادر عام 2004 وبموجبه اعطى سيادة مثلومة للعراق مرتبطة بتطور العملية السياسية وناصاً على المصالحة الوطنية العراقية بين كافة مكونات الشعب العراقي دون استثناء والتي لم تطبق لحد الان وحتى ان سميت المصالحة بالحوار الاستراتيجي الوطني بين مكونات الشعب العراقي. ولذلك كانت مخرجات الرغبة الكلية لصدمة التغيير التي جاء بها المطر مرفوضة مما ادى الى اتخاذ الضدية من هذا التغيير الى ان وصل الى استخدام القوة المسلحة لوقف التغييرحسب رؤية البعض ،بينما البعض الاخر اتخذ اسلوب الحوار سبيلا للوصول الى نتيجة ،ولذلك وجد المجتمع العراقي ان التغيير لايتم الا من خلال مساهمة كل العراقيين ، ثم ان التغيير لابد ان ينطلق من صلب الواقع الاجتماعي العراقي بشقيه السلبي معالجا له والايجابي محاولا تعظيمه. ولذلك لابدعلينا ان نأخذ من الايام التي مرت دروساً وعبراً، وكما هو متعارف عليه في السياسة ان كل خطة لابد ان تتضمن هامشاً من التكيف حتى تكون لها القدرة على احتواء عنصر المفاجأة ومن ثم تعيد العمل بعد التقييم الجديد للمرحلة السابقة من اجل الانطلاق للاستمرار في الوصول الى الهدف المراد تحقيقه ،ولذلك علينا ان نبدأ لاستكمال مسيرة التغيير التي يرغب فيها الشعب العراقي ووفق الخصوصية العراقية وليس كما يراد من المشروع الامريكي او مشاريع دول الجوار والتي لكل منها مصالح في العراق ورؤى للنظام السياسي العراقي المقبل التي تستطيع من خلاله تامين مصالحها الاستراتيجية في العراق. ثم ان التغيير الاحتلالي الذي جاء به المطر وسريان الطوفان الاحتلالي في البلاد لابد ان نضع له حدا حتى لايستمر الطوفان يقضي على ما زرعناه في تربنا العراقية الاصيلة وحتى لايصيبها الخراب فتندثر بلاد الرافدين في المياه الضحلة للطوفان الذي يراد اغراق العراق فيها. اذن علينا ان ننطلق لمرحلة جديدة تتمثل بايقاف عمليات المطر وفتح باب الحوار مع الاطراف التي اخذت موقف الضد من التغيير، لان هذه الاطراف ليست رافضة للتغيير ولكنها تطلعنا على رسالة ان الية التغيير كانت خاطئة. ولذلك على الحكومة العراقية ان تجد مخرجا لهذه الازمة من خلال فتح باب الحوار المباشر معهم ،كما انه على الجمعية الوطنية ان تنزل الى الميدان الشعبي وان ترى العراقيين برؤية متساوية متوحدة وأن يفتح باب الحوار مع الاطراف التي اتخذت اسلوب المواجهة المسلحة مع المحتل الانكلو- امريكي وليس ان تعمل على ترسيخ ثقافة الاقصاء للاخر ،كذلك على الحكومة العراقية ان لاتلتزم الحياد حول ما يحدث على ارض الواقع من اجل ان يشعر الشعب العراقي بأن الحكومة موجودة وانها تمثله ولاتمثل أية جهة معينة ،وان تلتزم باسلوب قطع الوعود الصادقة لا ان تستمر بهذه السياسة والتي تأمل انها سوف تحقق شيئا يذكر، وان تعمل مؤسسات المجتمع المدني على فتح باب الحوار المباشر مع كافة فئات الشعب العراقي ان ارادت ان تكون لها قاعدة جماهيرية لانها مؤسسات في خدمة الشعب وليس في توظيف الشعب خدمة لاهوائها الشخصية ومصالحها الذاتية ،وان نرسخ ثقافة فهم الاخر واداراك مصلحة الاخر في ان واحد لانها ثقافة غيبت عن المجتمع منذ نشوء اول دولة عراقية وليس منذ حين. وخاتمة المطاف لابد منها، وهي ان التغيير في العراق هو هدف الجميع وحماية هذا التغيير لابد منها لانه مطلب مجتمعي وليس فردياً ولذلك ان التغيير جعل العراق امام خيارين اما ان نركب القارب وننتقل الى الامام بعد اعادتنا التفكير بالمصلحة العامة وثقافة التغيير و تصحيح مسارات التغيير بما تتلاءم مع الواقع الفسيفسائي للمجتمع العراقي فنكون حققنا المرحلة الاولى للتغيير او العكس من ذلك ان نتجذر كالشجرة نعتنق مايرده المطر ونعمل على ترسيخ ثقافة الفرقة والتشتت والاهواء الشخصية من اجل ان تتجذر تجربتنا دون ماء نحيي به تجربتنا الجديدة. ولذلك لابد ان ندعو فئات الشعب العراقي كافة سواء المسالمة والتي وجدت باسلوب الحوار أنه الوسيلة لاعادة ترتيب البيت العراقي ،او الفئات التي وجدت استخدام القوة ضد المطر هو الحل لانه وكما هو متعارف عليه ان يدا واحدة لاتصفق وان يد الله مع الجماعة وان نعمل على ترسيخ ثقافة الوحدة لان الحكمة والفكرة الراجحة ترى بان التجديد يبدأ من الذات الانسانية اولا ومن ثم الاخرين فعلينا ان نعيد الثقة بالذات من اجل بناء عراق قوي ومؤثر ليعيد بنا التاريخ في ان نكون مركز اشعاع لاول حضارة انسانية علمت الانسان من بعد الله العلم وفتحت للعالم طرق التطور. ولذلك قد يتهمنا البعض بهذا الحلم بالماضويين ولكن علينا ان نعلم ان المستقبل هو صناعة بشرية كما ان التأريخ هو صناعة بشرية فعلينا ان نكون نموذجاً للتغيير الجذري المرحلي وان يكون العراقيون ككل فاعلين فيه وليس خاملين عنه. |