دراسة تحليلية   عدد القراء : 642   .
الأمثال القرآنيـة
عبد الرحمن فاضل
حين ذكر الله تعالى أعظم الذنوب وأقبحها، وأشدها مرارة، وتكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض، وتخرُّ الجبال هدًا، ألا وهو(الشرك بالله) فلأن هذا الأمر الخطير هو أكبر ظلم يوجد في الخلق، فلا أبشع ولا أشنع منه جرماً يرتكب في ملكوت الخالق الواحد الأحد، ونحن بني البشر ننزعج أشدّ الإنزعاج ممن يظلمنا بشيء ولو كان كلمةً صغيرةً خرجت في لحظة غضب، فكيف بالباري سبحانه حين يظلم من مخلوقاته- نعوذ بالله من ذلك-.
وعليه فموضوع مثلنا لهذه الحلقة من سورة(الزمر) الكريمة يتناول هذا الموضوع بضرب جميل بديع. فتعالوا معي للاية(29) إذ يقول تعالى:(ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَاء مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ).
لو تصفحنا القرآن الكريم في قراءة هذه السورة وفيما يخصّ الآيات السابقة للآية لوجدنا الحديث فيها يدور حول ذكر متعلقات الوحدانية من الأمور الكونية وغيرها، ثم يتحول الكلام إلى ذكر القرآن العزيز، و وصفه بأحسن الحديث، ثم يضرب هذا المثل للمؤمن والمشرك:(ضرب الله مثلاً رجلاً شكس) أي: شرس الخلق والطباع. والمعنى: ضرب الله لكم أيها الناس هذا المثل؛ رجل من المماليك اشترك فيه ملاّك سّيؤوا الأخلاق، بينهم اختلاف وتنازع يتجاذبونه في حوائجهم، هذا يأمره بأمر، وذاك يأمره بمخالفته، وهو متحير موزع القلب لايدري من يرضي، وهذا حال المشرك بالله عز وجل، فهو يتخبط بتحير في عبادته عدة آلهة، لاتضر ولا تنفع،ولا تغني شيئاً، بل كل محصولها الخيبة والخسران.
أما حال المؤمن الصالح الموحّد لربه فهو كما قال سبحانه:(رجلاً سلماً لرجلِِ) هذا الكلام من تتمة المثل كي تتضح الصورتان أمام العيان فيعتبروا، والمعنى: رجلاً آخر لا يملكه إلا شخص واحد، حسن الخلق، فهو عبد مملوك لسيّد واحد يخدمه بإخلاص، ويتفانى في خدمته، وهو لا يلقى من سيّده إلا إحساناً، فهل هذان المثلان متساويان يا أولي الألباب؟ الجواب: لا.
قال تعالى:(هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً) أي: هل يستوي هذا وهذا في حسن الحال، وراحة البال فكذا لا يتساوى المؤمن الموحّد مع المشرك. قال ابن عباس(رضي الله عنهما):(هذه الآية ضربت مثلاً للمشرك والمخلص) وقال الفخر الرازي(رحمه الله):(وهذا مثل ضرب في غاية الحسن في تقبيح الشرك، وتحسين التوحيد)، ولوضوح هذا التشبيه و دلالاته البيّنة لكل عاقل ختم سبحانه المثل بقوله:(الْحَمْدُ لِلّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ)أي: الحمد لله المتفرد بالجلال والكمال والصفات العلى على إقامة الحجة عليهم، ولكن أكثر هؤلاء المشركين لا يعلمون الحقّ، فهم لفرط جهلهم يشركون بالله تعالى، ونحن نقول(صدق الله) فهؤلاء جهلة، وهذا أصدق وصف ينطبق عليهم بعد كل هذه الأدلة في تأكيد وحدانية الله ذي الجلال والإكرام (تعالى مما يقول الظالمون علوّاً كبيراً).
إذن بهذا المثل والتشبيه تتكر صورة غير متساوية في العقل ألا وهي عبادة الخالق الواحد الصمد، وصورة الإشراك بالآلهة المتعددة الصمّاء العاجزة، فأنت تلمح هنا رجلين؛ أحدهما يتخاصم فيه شركاؤه، بين أخذ وردّ، ودفع ومنع، وهو بينهم موزّع الآراء، مزعزع الإستقرار لا يدري ما يصنع، فلكل فيه رأي، ولكل عليه تكليف، وهو في حيرة مظلمة لا ينتقذه عقل ولا يشفع له تفكير، فكل يريد الإستئثار بمنفعته وخدمته، وهو يعد ولا يفي، او يفي لكنه يعجز عن الإتمام، فتتقاذفه الاهواء في دوامة صراع نفسي مرير، وهذا حال الكافر.
أما المؤمن فصورته أجلى من الذهب، فهو يتوجه لسيد واحد، مالك واحد، ولا يتعدى أمره، لا يتجاوز ضروراته، ولا يخلط بخدمة أحد سواه، ومن كان هذا شأنه فقد ظفر بعواقب أمره، ونال غاية خدمته.
فالقلب المؤمن بحقيقة التوحيد يقطع الرحلة على هذه الأرض بهدى؛ لأن بصره أبداً معلق بنجم واحد على الأفق فلا يلتوي به الطريق؛ ولأنه يعرف مصدرا واحداً للحياة والقوة والرزق، وللنفع وللضر، وللمنح والمنع، فتستقيم خطاه الى هذا المصدر الواحد يستمد منه وحده، ويطمئن تجاهه، ويخدم سيدا واحدا يعرف ماذا يرضيه فيفعله، وماذا يغضبه فيتقيه.
وبذلك تتجمع طاقاته وتتوحد فيتجه بكل طاقاته وجهده ثابت القدمين، متطلعاً إلى إله واحد في السماء.
أما المشرك فيعيش مرهق الأعصاب، قلق النفس ، خائر القوى، لايعرف اتجاهه، ولايضبط حدوده، ولا تنتهي لواعجه وآهاته، فهو في حيرة مرعبة، وعزلة قاتلة، وشدة متناثرة هنا وهناك، ماذا يعبد، وما هي نتائج عبادته؟ وهو يخدع فطرته، ولا يصل إلى ميناء، ولا يقوده ربّان، تلعب به الأمواج وتهدر عليه الشبهات،  فأحلامه في مهبّ الريح العاصفة كبيت من ورق، أو عمارة من ثلج، تقذفها الأعاصير، وتذيبها تقلبات المناخ. فإلى أين أيها المغرور بسلطان الأرض والسماء!!(ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل وأن الذين إمنوا اتبعوا الحقّ من ربهّم. كذلك يضرب الله للناس أمثالهم).
أما دلالات هذا المثل فنذكر منها القضية الرئيسة وهي قضية(الوحدانية) وضدها(الإشراك) إضافة إلى الدلالة الصوتية الموسيقية التي تلوح في لفظة(متشاكسون) فهي لغة: المخاصمة والمعاندة والجدل في أخذ وردّ لايستقران.
وقد تعطي معناها(متخاصمون) ولكن المثل لم يستعملها حفاظاً على هذه الدلالة الموسيقية الإيقاعية المؤثرة التي جمعت حروف الأسنان، والشفة من(الثاء والشين والسين) تعاقباً تتخللها(الكاف)إذ أعطت مجتمعةً نغماً موسيقياً خاصاً يحمّلها أكثر من معنى(الخصومة والجدل والنقاش) بما كسبته من أزيز في الأذن يبلّغ السامع إلى أن الخصام قد بلغ درجة من القوة والعنف من جهة/ كما احاطه بجرس مهموس خاصّ يؤثر في الحسّ والوجدان من جهة أخرى.
اللهم فقهّنا في قرآننا، واجعله الوارث مناّ، وارزقنا تلاوته وتدبره، والعمل به- إنك سميع قريب مجيب- آمين.