مروان ياسين الدليمي:غياب الحرية معناه منع المعرفة عن البشر   عدد القراء : 479   .


بسام الطعان
هذه تتمة اللقاء الذي جرى مع الشاعر (مروان ياسين الدليمي) والذي أكد بأن اليوم وغداً لا وجود للمسرح العراقي في الداخل طالما الاحتلال وشركاؤه يجثمون على أرض العراق، والمسرح العراقي سيكتب سطوره المضيئة بعد زوال المحتل، وأن السيرك السياسي كما عبر عنه أصبح مقرفا ومكشوفا ، ولم تعد القوى التي جاءت مع المحتل تستحي أو تخشى من ارتكاب أية جريمة بحق الشعب العراقي طالما كان المحتل الامريكي راضيا عنها وغطاء لها.
س: كيف ترى واقع القصيدة العراقية بشكل خاص والعربية بشكل عام .وأين مكانها بين الأجناس الأدبية الأخرى؟
ج: يبدو أن جذوة الكتابة الشعرية لن تموت في العراق رغم شبح الموت الذي خيم على الحياة العراقية ولعقود طويلة . ومع هذا ظهرت أجيال شعرية متعددة منذ مطلع خمسينات القرن الماضي . أي مع ظهور السياب ونازك والبياتي والنواب والصائغ وسعدي يوسف والحيدري . ثم جاءت أجيال أخرى . جيل ستيني وجيل سبعيني وجيل ثمانيني وجيل تسعيني . لقد عاشت كل هذه الأجيال مرارة الواقع السياسي العراقي بكل تناقضاته وتعقيداته . وانعكس التناحر السياسي والأيدلوجي على الشعراء وألقى بظلاله على المفاهيم والثقافة الشعرية العراقية . التي اغتنت وتأثرت في الوقت  نفسه بفعل هذا الصراع . وأنتجت شعرا عراقيا من السهولة الإمساك به والتعرف عليه . من بين كل شعراء الأرض . ذلك أن الشعر العراقي كتبه ومازال يكتبه شعراء ذاقوا مرارة وقسوة الحروب . كما أن محاولات التجريب في الكتابة الشعرية لم تتوقف منذ أن ابتدأت مع جيل السياب . بل ازدادت مغامرات التجديد والتجريب مع كل جيل جديد يولد في فضاء الشعر العراقي الرحب . . أما عن مكانة النص الشعري بين الأجناس فأنا اعتقد أن الشعر قد استولى على مساحة واسعة من نتاج الثقافة العراقية وان هنالك قصوراً في مجال الكتابة الروائية  بالقياس  إلى النتاج الشعري . رغم أهمية بعض الأسماء وثقل تجربتها سواء في ميدان كتابة القصة القصيرة أو الأدب الروائي.
س: من هو الشاعر العربي النجم في الوقت الراهن برأيك ولماذا؟
ج: النجومية يا سيدي الكريم مفهوم سلعي تقف وراءه مؤسسات إنتاجيه لها أهداف نفعية و ربحية هدفها السيطرة على السوق عبر الترويج الإعلاني المحموم للسلعة المراد بيعها . وهذا الأمر ليس له صلة بالكتابة الشعرية . لان الشعر ليس سلعة تباع وتشترى ويروج لها عبر الإعلانات المصنعة . وإذا كان هنالك شاعر نجم فما هو إلا سلعه مصنعه من قبل الآخرين لغايات واهداف ليس لها صلة بالفعل الثقافي والمعرفي .للشعر وهو يتلمس طريقه في اشتباكات الظلمة والنور . إن الشاعر خالق ومبتكر لعوالم أخرى. ولا يبتكره الآخرون . هو مغامر يذهب في مغامراته واستكشافاته إلى مديات بعيدة لا يعرفها .  وهو في كل ذلك يمشي على  حافة الهاوية قابضا على جمرة الكتابة.  وعلى ذلك فان من يحيا على هامش الأضواء يكون في قلب المغامرة والاكتشاف
س: العصر الأدبي الحالي إذا جازت التسمية لمن هو، هل هو للمسرح أم للرواية أم للشعر، وأنت كمخرج مسرحي وشاعر أين تجد نفسك أكثر في المسرح أم في الشعر؟
ج: باعتقادي أن العصر الأدبي الحالي للرواية. هنالك تحول كبير باتجاه الكتابة الروائية في عالمنا  .وكأننا نعيد اكتشاف الفن الروائي والمساحات الكونية التي يمكنه أن يفتحها لنا . لقد كان لظهور كتاب أميركا اللاتينية بأساليبهم المدهشة والساحرة . ثورة حقيقية أشعلت جذوة الكتابة الروائية في العالم . وأمست الرواية عالما من الدهشة والغرابة والسحر والواقعية . وتبلورت حماسة لاحدود لها لدى الشعراء أنفسهم لكتابة الرواية بعد أن تلاشت الحدود الاجناسية بينهما .ليتواجد الشعر والسحر والخرافة والثورة والفلسفة في الرواية .أما بالنسبة لي : فان متاهتي الجمالية التي أجد نفسي مقذوفا إليها بكل يقظتي هي / السينما . . .  كان لدراستي الأكاديمية للسينما. اثر كبير في تطوير مخيلتي الشعرية . ودفعي إلى كتابة الصور الشعرية على بياض الورقة . وكأنني ارسم على شاشة العرض السينمائي.
س: ما هو المناخ الأفضل لينمو فيه الأدب، وما هي الظروف التي يجب أن يترعرع فيها؟
ج: الحرية دون قيد أو شرط . فهي المناخ الطبيعي والصحي للوصول إلى المعرفة . وقول الحقيقة . وغياب الحرية معناه منع المعرفة عن البشر . وشيوع الكذب والتظليل والخوف وغياب وتغييب الحقيقة . كيف يمكن انشاء حركة أدبيه ونمو لقدرات الإنسان والمجتمع  في ظل الرعب والخوف . ينبغي أن يصل النتاج الأدبي للقارئ بشكل طبيعي . لا أن يتم استنساخه خلسة و بعيدا عن أعين  رقابة   المجتمع المتزمت والمتطرف ، أو أجهزة السلطة الرقابية والأمنية . العرب خسروا موقعهم الحضاري لان السلطات الرسمية غيبت الحرية عن الإنسان وعن المجتمع .ولن تقوم لهم قائمه طالما هنالك اعتقال لمواطن بسبب رأي أمن به .أ ي مهزلة هذه التي مضى عليها عشرات السنين.
س: برأيك ما أسباب الفجوة الثقافية الهائلة بين الدول الغربية وبين كل الدول العربية مجتمعة ، إسبانيا مثلا تكون الإصدارات أكثر بكثير من كل الإصدارات التي تصدر في الدول العربية ؟
ج: يا سيدي نحن مازلنا نقبع في المربع الأول . نحن شعوباً كنا فيما مضى شعوبا زراعية .وكنا ننتقد أنفسنا ونسعى بل نحلم أن نصبح شعوبا صناعية معاصره . ما الذي حدث ؟ الذي حدث أن إنتاجنا الزراعي اصبح متخلفا جدا . وبتنا نستورد كل شي . ولا ننتج أي شيء . إننا مجتمع استهلاكي هجين،يحيا على جهد الآخرين ونشاطهم . رغم انهم يسرقون ثرواتنا الطبيعية . المشكلة ليست في الغرب، المشكلة فينا نحن .. إن معركتنا ليست مع الغرب بل مع كل رموز التجهيل والتغييب والقهر الفكري التي ازدادت شراسة وقوة وإرهابا ضد مجتمعاتنا المتعبة .هذه هي أسباب الفجوة.
س: كيف هو النقد في العراق.. هل يرسم للعمل الإبداعي خطا مستقيما أم يشتته، وهل الصوت النقدي الجاد غائب ومنوّم مغناطيسيا؟
ج: أظن أن الحركة النقدية في العراق . تمتلك مجسات مهمة في إغناء التجربة الإبداعية وقراءة التأسيسات الجمالية الغارقة خلف الإشارات.
س: الكثير من المبدعين العراقيين تركوا العراق قبل بعد الاحتلال ، ما السبب في ذلك وهل الغربة والمنفى وحالات من العيش بعيدا عن الوطن تشكل منهلا وينابيع للإبداع؟
ج: الهجرة أو الهروب من الوطن - وهذا هو الأصح- . كانت قبل الاحتلال كذلك.هذه ليست هجرة  . الآن الجميع يغادر مرغما ، خوفا على حياته من بطش العصابات التي بدأت تحكم الشارع العراقي ،  لايمكن أن يكون هذا المنفى المميت اختيارا ،  انه قتل آخر للإنسان ،  بعيدا عن وطنه . . .  قد توفر الغربة والعيش بعيد ا عن الفوضى القاتلة في العراق فرصة للتأمل والكتابة . ولكنها ليست شرطا للإبداع.
س: ماذا تقول في نهاية هذا الحوار.. قل ما تريد ولمن؟
ج: أقول: لينكشف الغطاء
عن هذا الغطاء عن هذا التنهّد
عن الغربةِ الغريبة
عن احتفالنا المتعثّر .. فوق معبرٍ .. خرافة أيها الحفاة:
اعزفوا نشيدكم فوقهُ وجرّدوا الجنون من ثيابه ثُمّ اسألوهُ.
مَنْ أبقى تُراباً على هيبتهِ ؟
ومَنْ أطلق الموت على سحابةٍ من ذهب ؟ . . ألقمتني . .  طعناتها الأساطير
وتهشّمت قبضتي .. على حيطان الكتابة . هذي نوافذنا أمستْ .. معابر للبوم
ورغيفنا .. لم تفردْ له النار كفّيها..
اليوم .. احملُ همّي
إلى معبر .. وهم اقتنصُ العزف بدمي
خالعاً صبري .. تحت مطرقة
ومنادياً:
أيها السخط التئم
ثُمّ
التئمْ
ولا تُخطئ الألم