الأمثال القرآنية   عدد القراء : 518   .
الحلقة(27)
عبد الرحمن فاضل
في الحلقة السابقة تحدثت عن مثل سورة(يس) الكريمة، والذي كان يمثّل المحاورة المعهودة بين صنفي البشر في هذا العالم وهما؛ (المؤمنون والكافرون) وأن أهل الإيمان هم محبوا الخير والسلام على عكس الكفار الذين يحبّون أن تشيع الفاحشة في الأرض وهذا أمر معلوم للبشر جميعاً ؛ لأن هدف الخير واضح، وهدف الشر واضح.
وهذا الموضوع قديم مع الناس، وسيظل معهم حتى النهاية. مايهمنا في هذا المثل العبرة والموعظة كما تعهدنا بذلك في حلقات هذه الدراسة. ولنقف الآن عند دلالات هذا المثل كي يتبيّن الطريق لكل سالك.
من خلال قراءة القصة المبثوثة في المثل السابق نلحظ أنها انطوت على ثلاثة محاور ومشاهد موحية، قد استكملت المنهج القصصي في القول والرد والإعتراض والمجابهة والغرض والجدل في بداية توجيهية ونهاية تحذيرية، والذي يعيننا من القصة كلها هو المشهد الأول؛ المتمثل بحديث المرسلين وإصرارهم على أداء الرسالة، وتأكيد الدعوة بالبراهين العقلية مع أولئك المكذبين.
فالقرآن كعادته يبدأ القصة بإرسال رسولين إلى قرية، ويقوّيهما بثالث، ولم يحدد اسم القرية ولا موقعها، ولم يعن المثل بأسماء الرسل ولازمن الحدث، وإن وجدت في كتب المفسّرين فهي من فرضيات ونظريات القوم. فالقرآن لا يرى أهمية ملحة في ذكر ذلك بقدر اهتمامه بشمولية المثل، وعمومية الحدث إذ تتلاشى الحدود والمقاييس وتختفي الأبعاد. وهذا أولاً.
ثم يأتي الأمر الأهم، وهو أمر الدعوة والهدية إلى الله، فالمرسلون بشر، والمرسل إليهم بشر أيضاً؟ وهنا يقف المكذبون عند السؤال المتوارث عن الأجداد: لمَ يُرسل الله بشراً؟! وليس جنساً آخر؟! والمرسلون يؤكدون قضية إرسالهم وهدفها بالبراهين تارة، وبالبديهة أخرى، وبالمعجزات ثالثة؛ لأنهم أصحاب قضية. وفي المقابل أصحاب القرية يهدّدون ويتوعدون، حتى وصل بهم الأمر إلى التشاؤم والتطّير من الرسل الكرام. والرسل يردون التشاؤم بالتفاؤل ويقاومون التطير باليّتمن. وهنا تظهر العزة بالإثم عند النفر الضالّ، فيعمدون الى الأساليب العنيفة من العذاب، والسجن، والتنكيل، والتهجير وكل ما يستطيعون من مكرِِ وخديعة في سبيل طرد الحق؛ لأن صدر الباطل ضيق حرج، لاسيما بعد أن نفدت منهم كل وسائل الغواية والشرّ.
وهنا نشير إلى قضية(التشاؤم) أو كما وصفهما القران بـ(التطّير) هذه العادة الجاهلية الموغلة في الضلال، والتي عميت عن نظر اقرب الموجودات منها، حتى باتت تتوقع الخير أو الشر من فعل لا يمتّ للعواقب والنظر بمآل الأمور بصلة. فقد تعطلت العقول لدى هؤلاء ، وصار للطائر في الهواء وتوجهه حكمة بالغة خفيت على كل البشر إلا هذا النفر المتخبط.؟!
لذا حثّ الإسلام العظيم على نبذ كل مظاهر التطيّر المشركة وعدّها من الذنوب؛ لأنها جعلت مع تقدير الله شراكة.
وقد استعمل القرآن لفظة(تطيرنا) لدلالتها الإيحائية المؤثرة في النفس من خلال المرارة المختلجة في الصدور، وما يعنيه من إيمانهم بالخرافات والأساطير التي تحاك حول ذلك؛ ليصوّر مدى ضيق القوم بهؤلاء المرسلين، حتى أصبح وجودهم مثاراً للمخاوف والهواجس.
وفي هذا المثل إشارة إلى النظر في أحوال الماضين من الرسل والأمم الذين قصّ الله تعالى علينا من أخبارهم، كي لا ننسى الموعظة الأبدية من وجودنا وخلقنا، ثم موتنا وبعثنا. وعلينا أن نحاسب أنفسنا دائماً قبل أن نقف أمام الحساب، في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.
قال الشاعر:
إذا نسي الناس إخوانهم                 وخان المودة خلاّنُها
فعندي لإخواني الغائبين                 صحائف ذكرى عنوانها
ويظل واضحاً متجلياً طريق الدعوة إلى الله، فهو شاق مرّ في خطواته، محفوف بالمكارة، لا يجالد عظائمها إلا العظماء. فعلى كل داعية للخير أن يصبر ويحتسب و إلا فليحد عن هذا الطريق، فليس هناك رجعة في السير فيه، فإما أن تشق طريقك، أو تنأى بنفسك عنه بعيداً (لا ضرر ولا ضرار) فهؤلاء رسل الله الثلاثة أمامك يمشون ويتكلمون متأيدّين من الله عز وجل. فإياك يا أخا الإسلام أن تفر عزيمتك او يتوانى ويخور أمرك. ما دام شعارك:(قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) رفعت الأقلام وجفّت الصحف.
ختاماً نقول:
إذا أرسل الله تعالى إلى قلب وليَ وارداً أولا، ثم شك فيه، ودفعه، ثم أرسل ثانية ودفعه، ثم عززّه بثالث وجب تصديقه والعمل بما يقول، وإلا وقع في العنت وسوء الأدب؛ لأن القلب إذا صفا من الأكدار لا يتجلى فيه إلا الحق وإلا وجب اتهامه حتى يتبيّن وجهه.
والمثل فيه التسلية لقلوب أولياء الله والصالحين الأمر الكثير.