مروان ياسين الدليمي: غياب الحرية معناه منع المعرفة عن البشر   عدد القراء : 409   .
حاوره: بسام الطعان
مخرج ومسرحي وشاعر عراقي ، يحمل شهادة البكالوريوس من جامعة بغداد/ كلية الفنون الجميلة/ قسم الفنون السمعية والمرئية/فرع الإخراج التلفزيوني.
يعمل مدرسا لمادة التمثيل العملي وتاريخ المسرح والديكور والإضاءة، ومعدا ومخرجا للأفلام الوثائقية في قناة عشتار الفضائية.
 حصل على جائزة أفضل مخرج سينمائي في مهرجان اربيل الأول للأفلام القصيرة عام 2004 عن فلمه (اكسباير)
صدرت له الأعمال التالية:
رفات القطيعة ـ مجموعة شعرية 1999
سماء الخوف السابعة ـ مجموعة شعرية2004
شعر مستعارـ مسرحية 1997
استدراج النهار حتى نافذتي ـ مسرحية 2001
قيامة التأويل ـ دراسة نقدية 2004
عضو اتحاد الأدباء والكتاب العراقيين
عضو اتحاد الصحفيين الدولي
عضو نقابة الفنانين العراقيين
نشر نتاجه في الصحف والمجلات العراقية والعربية
التقينا به وأحببنا أن نقدمه للقارئ من خلال هذا الحوار:
الشعر تجربة انسانية
س/ ما الذي قادك إلى عالم الشعر . وهل الشعر قادر على التعبير عن تشابكات الحياة وتعقيداتها اكثر من المسرح ؟
ج: أولا علي الاعتراف بأن ارتباطي بتجربة الكتابة الشعرية  جاءت متأخرة . أي في مطلع التسعينات من القرن الماضي .  رغم أنني كنت أكتب قبل ذلك التاريخ بعشر سنين . إلا أنني كنت منشغلا في العمل المسرحي الذي أخذ مني نصف عمري . ذلك أنني بدأت الظهور على خشبة المسرح من سنة 1973 . مع المخرج (شفاء العمري) وهو واحد من أهم المخرجين المجربين في العراق إلا أنه لم يحظ من الاهتمام الإعلامي الذي يستحقه . وانتهت علاقتي بالمسرح عام 1992 بعد انتهاء مهرجان المسرح العربي الأول في بغداد . .بعد أن اكتشفت أن الكثير من جوانب الحركة المسرحية مكرس لابناء العاصمة بغداد وأن لا فرصة لأي مبدع من خارج بغداد لان يكتب اسمه في تاريخ المسرح العراقي وأنا بطبعي أميل إلى التمرد ولا ارتضي لنفسي أن يهمشني الآخرون .. من هنا بدأت أكرس كل جهدي للكتابة الشعرية . في محاولة مني لممارسة حريتي في اللعب واكتشاف هذا  الغموض المثير في التجربة الإنسانية .وفي محاولة مني لمقاومة هذا الإرث السلطوي الذي يوشك أن يجهز علينا  .من هنا كان الشعر يقظتي الدائمة أمام المذبحة والموت المبيت لي ولطفولتي . طيلة سنوات الحصار الظالم على العراق لم اكن املك إلا الشعر  لمقاومة ذلك  الموت اليومي البطيء. الذي خيم على أيامنا . كنت أقرا  كثيرا واكتب قليلا . ولم اندفع للنشر حتى اكتملت لدي مخطوطة شعريه مع بداية عام 1999 فأصدرتها على نفقتي الخاصة . كانت بعنوان (رفات القطيعة)  وكانت مفاجأة للوسط الأدبي في مدينة الموصل . احتفى بها من له شان( بالنصوص المفتوحة ). ومنذ ذلك التاريخ وأنا حريص على تجاوز ما أكتب  في أي  نص جديد اكتبه.   وكان آخر نص كتبته هو ( المهمل . . سهواً أو عمدا ) والذي نشر في موقع (أدب فن) الإلكتروني . الشعر كما افهمه تجربة إنسانية لاعادة صياغة العالم المرئي وخلقه جماليا  بشكل آخر . من هنا الشعر يمنحنا القدرة على الدخول إلى ما هو لا مرئي وما هو غامض ،الشعر هو كتابة أخرى للتاريخ . كتابة  تمارسها الذات الإنسانية ضد الواقع . الشعر هو النزوع إلى التحول الجمالي في رؤية الواقع ومشاكسته  وتحطيم أيقوناته تحت راية الحرية التي يمضي بظلها الشاعر ويحلق عبرها في أسطورة الحياة.
س/ ما يجري في العراق من احتلال ودمار هو مسرحيه هزلية . ماذا فعل الاحتلال بالثقافة والمثقفين في العراق . هل  المثقف العراقي قادر على الإبداع في ظل الاحتلال ؟
ج: السيرك السياسي في العراق أصبح مقرفا  ومكشوفاً، ولم تعد القوى التي جاءت مع المحتل تستحي أو تخشى من ارتكاب أية جريمة بحق الشعب العراقي . طالما كان المحتل الأمريكي راضيا عنها وغطاء لها . إن الخطوة الأولى للمحتل والذين تعاونوا معه كانت في وضع عشرات المثقفين العراقيين التقدميين والذين كانوا منفيين سنين طويلة في عهد النظام السابق . في قائمة سوداء ومنعتهم من دخول العراق خوفا من أصواتهم .وفي مقدمة هؤلاء (سعدي يوسف ومظفر النواب) . كيف يمكن لوطن أن يكون حرا عندما يكون شاعر مثل سعدي أو النواب تعتقله الغربة القسرية . وغير مسموح له بدخول الوطن . لقد انتج الاحتلال ثقافة طائفية . وهنالك العديد من الأسماء التي بدأت تمارس دورا تخريبيا في الثقافة العراقية . وإلا ما معنى الهجوم على سعدي يوسف لا لشيء إلا لأنه هاجم المحتل الذي دمر البلاد . وأثنى على مشروعية المقاومة للمحتل .   كنا ننتظر اللحظة التي يسقط فيها الفكر الشمولي لنمارس حريتنا في التفكير دونما خوف من الاعتقال . إلا أننا بدأنا نواجه التكفير والتصفية الجسدية من كل أطراف اللعبة ، في الفوضى العراقية بلا استثناء   دونما حاجة لان يتعبوا أنفسهم في إصدار أوامر الاعتقال  . ومع ذلك فأنا أجد أن ما يكتب في العراق من أدب في ظل الاحتلال الأمريكي وبعيدا عن مؤسسات حكومة  المنطقة الخضراء  . هو اكتشاف جديد ومهم لمعنى الكتابة،  خصوصا وانك تكتب وسط عالم صاخب وغاضب وعنيف . لا يمكنك أن تكتب دون أن تطالك شظايا المفخخات ورصاص الغدر والاحتلال  . في العراق يكتب زمن آخر للشعر وللحرية وللإنسان.
ما هو تاريخ المسرح العراقي ؟
ج: ابتدأ المسرح العراقي المعاصر قبل أكثر من مائة عام في مدينة الموصل . وكانت كنائس الموصل هي السباقة في إنبات هذه الظاهرة في الحياة العراقية . وذلك من خلال الدور المهم الذي لعبه الآباء الدومينيكان في كنيسة الساعة في تحريك الحياة الثقافية بالكتب والمجلات والترجمات التي ساهموا بها من خلال  أولى المطابع التي جلبوها وادخلوها لأول مرة إلى العراق . في نهاية القرن التاسع عشر . ومن ساحات الكنائس ظهر أول كاتب مسرحي عراقي معاصر وهو (حنا حبش ) وظهرت أولى العروض المسرحية العراقية لتنتشر بعد ذلك في عموم العراق.
العراق وعودة الى الوراء
س/ الحركة المسرحية في العراق كيف تراها ؟ وأين موقع المسرح العراقي على خارطة المسرح العربي ؟
ج: في ظل ثقافة طائفية يروج لها في العراق  . لا يمكن قيام حركه مسرحيه . المسرح يزدهر في الزمن الذي  تحترم فيه  الحرية الإنسانية و التفكير والاعتقاد .  دونما خوف . . الذي يجري في العراق عوده إلى الوراء إلى محاكم تفتيش جديده ،إلى  زمن الكهوف واللطم  والدفوف .إلى زمن الفرمانات والسلاطين الذين لا يرد لهم أمر ،ليعلم العالم اجمع :  إننا نعيش في القرن الواحد والعشرين قبل الميلاد . هكذا ندفن ونحن أحياء . أرجو أن تقف معي لنتأمل هذه الحادثة . رجل فقد ستة من أفراد عائلته في التفجير المروع الذي حدث في حي الزنجيلي الفقير في مدينة الموصل قبل أسابيع والذي أزال  الحي عن وجه الأرض . بعد أيام على هذا الحدث جاءت مجموعة مسلحة إلى موقع الحدث لتقتل هذا المنكوب بعائلته فوق أنقاض داره . هل يعقل هذا ؟ هل يمكن حدوث مثل هذا الأمر في أية بقعة على الأرض إلا إذا كان الاحتلال موجودا هناك . هذه هي ثقافة العنف والقتل بدم بارد، المتاحة للأجيال العراقية الناشئة . كيف يمكن للمسرح أن ينشأ في مثل هذا الجنون . المسرح خطاب ارتقاء بالعقل في مجتمع عاقل يصغي لما تقول ويفهم ما تقول ويختلف معك في ما تقول لكنه لا يتورط في قتلك والاستمتاع بقتلك.  منذ احتلال العراق والى هذه اللحظة كل العروض المسرحية ما هي الاتتمة لمهرجانات اللطم والقتل التي قضت على آخر ما تبقى من شظايا الوعي لدى الإنسان البسيط الذي دمرته الحروب الطويلة . اليوم  وغدا لاوجود لمسرح عراقي في الداخل طالما الاحتلال وشركاؤه يجثمون على ارض العراق ،  المسرح العراقي سيكتب سطوره المضيئة بعد زوال المحتل  . حتى في زمن صدام حسين ورغم الرقابة الشديدة والصارمة ،إلا أن المسرح العراقي كان في ذروة مجده وعطائه . وكان للفنان العراقي مساحة واسعة للتفكير والقول والنقد رغم قسوة السلطة وجبروتها  على المواطن .كان الفنان المسرحي قادرا على اللعب وتوسيع هامش الحرية بتشفيرية عالية وغاية بالذكاء لتوصيل خطابه الفني رغم انف السلطة،  من هنا نشا آنذاك مسرح مهم على درجة عالية من النضج في لغة الخطاب الفني مما أهله لاقتناص الجوائز الكبرى في معظم المهرجانات المسرحية التي شارك فيها .  أما الآن فان السيوف المسلطة على الرأس كثيرة جدا . وقائمة المحرمات لا تعد ولا تحصى . فقط إذا أردت أن تشتم النظام السابق فان لك كامل الحرية و كامل الإمكانات . هل هنالك مهزلة اكبر من هذه المهزلة. وحتى لو كنت متضررا من النظام السابق فأنت في ظل هذا الوضع المخزي عليك أن تحترم نفسك وتسكت . لان دور الفن اكبر من  أن يتحول إلى شتائم. وطعنا في جثة ميتة. هذا ليس فنا وليس شجاعة ولا رجولة.
يتبع الجزء الثاني..العدد القادم