الأمثـــال القرآنيــة   عدد القراء : 626   .

 

عبد الرحمن فاضل...
وصلت معكم إخوتي الكرام وسورة(يس) حسب التسلسل القرآني؛ وهذه المرة لا يختلف الأمر كثيراً عن المثل السابق، ولا يبتعد رغم أن الصورتين مختلفتان، لكن يبقى الهدف منهما هو قضية مهمة جداً لا ينفك القرآن العزيز عن ذكرها وتذكيرها.
ولنتعرف إليها من خلال هذه الآيات المتتاليات من سورة(يس)-قلب القرآن-.
يقول تعالى:(وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءهَا الْمُرْسَلُونَ{13} إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ{14} قَالُوا مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمن مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ{15} قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ{16} وَمَا عَلَيْنَا إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ{17} قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِن لَّمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ{18} قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِن ذُكِّرْتُم بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ)
أما التفسير فمعنى قوله تعالى:(وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءهَا الْمُرْسَلُونَ) هو خطاب للنبي(صلى الله عليه وسلم) وقد أمر أن يضرب لقومه مثلاً بأصحاب القرية.. وهذه القرية قال القرطبي(رحمه الله) هي (أنطاكية) على قول أكثر المفسرين، وهو مروي عن ابن عباس، وكان بها ملك يقال له(أنطيخس) وكان يعبد الأصنام، فبعث الله تعالى إليه ثلاثة رسل. قال ابن كثير رحمه الله هم:(صادق وصدوق وشلوم، فكذبهم). وهو تحذير و وعيد للكفار أن يحل بهم ما حل بكفار أهل هذه القرية المبعوث إليها ثلاثة رسل من قبل الله تعالى.(إِذْ جَاءهَا الْمُرْسَلُونَ) أي أذكر لهم وقت مجيء المرسلين(إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا) أي: اذكر وقت أرسلنا إليهم رسولين فكذبوهما(فعزّزنا بثالثِ ) أي: قويناهم، من قولهم(عزّه أي غلب وقهر.(فقالوا)أي: الرسل الثلاثة:(إنا إليكم مرسلون) من قبل الواحد الأحد لنرشدكم إلى الطريق الحقّ. وهنا استخدم الأسلوب القرآني(الحذف) فترك المفعول من قوله (فعزّزنا بثالث) ولم يقل(فعززناهما) وذلك لمعنى لطيف؛ وهو أن المقصود من بعثهما نصرة الحق، لا نصرتهما؛ والكل مقوّون للدين المتين بالبرهان المبين.
أما ردّ الكفار للنفر المرسلين كان قولهم:(قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا) أي: كيف نؤمن لكم، وكيف اوحى الله إليكم وأنتم بشر مثلنا، ولو كنتم رسلاً لكنتم ملائكة. وهذه هي شبهة كثير من الأمم المكذبة، كما قال في موضع آخر:(ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا) ولم يكتفوا بهذه الشبهة الشنعاء؛ بل أضافوا إليها أخرى أفضع وأبشع حين قالوا(وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمن مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ) أي: ان الأمر أنه لا يوجد وحي سماوي ولا رسل يبلغونه فكيف صرتم رسلاً؟! وكيف يجب علينا طاعتكم؟! وهو تتمة لكلامهم السابق، الذي ختموه بقوله:(إن أنتم إلا تكذبون)أي: في كل شيء تدّعونه!.
فردّ عليهم المرسلون:(قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون)أي: والله نحن مرسلون من عند الله عز وجل- وهذا قسم منهم- وأكدوه لما رأوا من شدة تكذيب أهل القرية لهم. وهو ما يسمى بالبلاغة(الأسلوب الإنكاري) ثم وعظوا القوم بقولهم:(وما علينا إلا البلاغ المبين)أي: ما لنا من هذه الدعوة إلى الله مصلحة مادية، بل نحن ندعوكم إلى الخير عسى أن تهتدوا من باب النظر الفكري في عواقب الكلام. والبلاغ.اسم مصدر؛ من أبلغ إذا أوصل الخير. وقد وصف هذا البلاغ بالمبين الواضح الدلالة، بلا إيهام أو تورية.
لكن العمى قد غطى البصر والبصيرة، وأظلم بسواده على حياتهم، فأنكروا كل شيء حق (قالوا إنا تطيرّنا بكم) والتطير؛ تكلّف معرفة دلالة الطير على خير، أو صفة اندفاعه ومجيئه، ثم أطلق على كل حدث يتوهم منه أحد انه كان سبباً في لحاق شرّ به، فصار مرادفاً للتشأوم وفي الحديث:(لاعدوى ولا طيرة، وانما الطيرة على من تطيّر) وبهذا المعنى اطلق في هذه الآية، أي: قالوا: إنا تشاءمنا منكم بدعوتكم. وهذا هو حال أصحاب الأوهام السخيفة، والعقول المأفونة، أن يسندوا الأحداث الى مقارناتها دون معرفة أسباب، ثم يتخيروا في تعيين الشؤم أو التيمن، فمرجع العلل كلها لديهم إلى أحوال النفوس، ورغائبهم، كما حكى تعالى عن قوم فرعون في موضع آخر(فَإِذَا جَاءتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَـذِهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ) ولما لم يجد كل ذلك نفعاً ولا طريقاً انتقلوا إلى المطالبة بالإنتهاء عن هذه الدعوة، فقالوا:(لئن لم تنتهوا لنرجّمنكم) بالحجارة، قيل هو القتل، وقال مجاهد(رحمه الله):(المقصود به-الشتم) ثم قالوا:(وليمسنكّم منا عذاب أليم) قيل: هو الحريق. والمعنى: لنقتلنكم بالحجارة، أو لنعذبنكم عذاباً إليماً لا يقادر قدره، تتمنون معه القتل. وقيل: أراد(بالعذاب) الروحاني(وبالرجم) الجسماني، فكانوا قد ردّدوا الأمر بين إيذاءِ جسماني وروحاني.
روي في الحديث الشريف عن النبي(صلى الله عليه وسلم) أنه قال:(ليس عبد إلا سيدخل في قلبه الطيرة، فإذا أحس بذلك فليقل: أنا عبد الله، ما شاء الله لاقوة إلا بالله لا يأتي بالحسنات إلا الله، ولا يذهب بالسيّئات إلا الله، اشهد أن الله على كل شيءِ قدير. ثم يمضي بوجهه).أي مارّاً بجهته.
(حكي أن دباغا مرّ بسوق العطارين، فغشي عليه، وسقط، فاجتمع عليه أهل السوق، وعالجوه بكل ما يمكن من العطور، فلم يفق، بل اشتد عليه الحال، ولم يدر أحد من أين صار مصروعاً، ثم أخبر أقرباؤه بذلك، فجاءه أخوه وفي كمّه شيء من نجاسة الكلب فسحقه حتى إذا وصلت رائحته إلى شمّه فاق وقام) وهكذا حال الكفار؟.
وبعد كل هذا الشدّ والجذب بين الرسل وأهل القرية، قال الرسل:( قالوا طائكم معكم أإن ذكرتم)أي: اعمالكم وارزاقكم وحظكم من الخير والشرّ معكم، ذلك كله في أعناقكم، وما ذلك من شؤمنا أن أصابكم سوء فيما كتب عليكم، وسبق لكم من الله تعالى:(بل أنتم قوم مسرفون) قيل معناه: كافرون؛ لان الكفر تجاوز الحد كا لسرف. أو إنكم تسرفون في تطيرّكم. وقيل الفساد. فيكون المعنى المتمم للمثل كله.
أن الأمر ليس كما قلتم وزعمتم، بل أنتم قوم عادتكم إلاسراف في كل شيءِ باطل، فلذلك تشاءمتم بمن يجب إكرامه.
أهم ملمح يشير إليه النص:
عدم الاتكال على ما يصدر من الاقوال المكروهة عند الله تعالى من التشاؤم والاعتقاد بالضر والنفع من غير الله تعالى مما يطرأ على الحياة من الأمور المدبرة المحكمة من لدن عزيز حكيم وأن القضاء ماضِ لا يرده شيءِ إلا ما شاء الله تعالى. وممارسة الحياة بشكلها المطلوب من التوكل على الخالق وحده، ثم السير في مناكبها.