مدفع رمضان عَبقُ ماضٍ يجب أن يرسخ   عدد القراء : 489   .


أ. د. اميل قسطندي خوري
انا واحد من ملايين الناس الذين يعشقون شهر رمضان المبارك وينتظرون مجيئه بفارغ الصبر. وهذا ليس بالامر الغريب لما يحمله هذا الشهر الكريم في طيّاته من مظاهر عديدة وفضائل كثيرة كالصيام، والزكاة عن الاموال، ومراجعة ومحاسبة النفس لما اقترفته من اخطاء وآثام وذنوب، والتسامح مع الآخرين، ومساعدة الفقراء والمحتاجين، ومد يد العون والمساندة للايتام والمرضى وذوي الاحتياجات الخاصة، وصلة القربى والارحام، والتوبة والتعبّد الى الله عزّ وجل (اَلاَّ تَعْبُدُواْ اِلاَّ اللّهَ اِنَّنِي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ وَاَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ اِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعاً حَسَناً اِلَى اَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَاِن تَوَلَّوْاْ فَاِنِّيَ اَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ اِلَى اللّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).
من مدة قصيرة كنت انا وزوجتي وابنتي في زيارة عائلية الى بيت اختي الصغرى. وبدانا نستذكر معاً ايام زمان حين كنا اطفالاً صغاراً. فقالت لي اختي: يا اللــــــــــــــه على ايام زمان .. بتتذكر يا اميل لمّا كان ييجي رمضان واحنا صغار، وكنا نقعد على باب الدار نستنى صوت المدفع؟! وعندما سمعت كلمة مدفع شعرت وكانني كنت في غيبوبة طويلة وفجاة صحوت منها. فقلت لها بدهشة العائد الى الواقع بعد غياب قسريّ عميق: انا فعلاً صارلي زمان ما سمعت صوت مدفع رمضان. ثم تساءلت باستغراب: مش كانوا بالزّمانات يضربوا المدفع من جبل القلعة؟! .. شو اللي صار طيّب؟! .. ليش بطلوا يضربوه؟.
فاجابت اختي بحيرة:  والله ما انا عارفة ليش .. يمكن السبب انه مع هالتكنولوجيا الجديدة (تقصد الفضائيات والانترنت والموبايلات) صارت الناس تسمع صوت الآذان على التلفزيون وتعرف انه حان موعد الافطار! فقلت لها بصوت بدت نبرته غريبة بعض الشيء وكانني القي محاضرة جامعية على طلاب سنة اولى: اطلاق المدفع ايذان بحلول موعد الافطار مش المفروض انه احنا ننظرله على انه مجرد عادة او تقليد يمكن لنا استبداله بتكنولوجيا حديثة او بغيرها، لانه حسب علمي انه ضرب المدفع هوّ جزئية اساسية من منظومة التراث الرمضاني اللي عرفته اجيال كثيرة على مدى قرون طويلة، شانه شان امور ومظاهر اخرى من هذا التراث الشامل مثل الفوانيس الرمضانية واكل القطايف وتناول التمر قبل بديء الافطار والجلوس مع جميع افراد العائلة على مائدة واحدة. واضفت: احنا يا اختي (والكلام للجميع) بنتكلم عن تراث له اصالته وجذوره الضاربة في اعماق التاريخ، ولسنا بصدد الحديث هنا عن عادات او تقاليد قابلة للتغيير او التعديل وفقاً لمعطيات او لوجستيات واقع ما.
ثم استرسلت قائلاً: اذا كان الموضوع متعلقاً بتغيّرات اجتماعية او تطوّر حضاري او تقدّم تكنولوجي، فهل هذا يعني انه احنا بنقدر نستبدل اكل التمر بالشوكولاته مثلاً؟! وهل وجود الكيك والحلويات الاخرى (كالبقلاوة والكنافة والبرمة مثلاً) يغنينا عن اكل القطايف التي هي من اكثر الحلويات شهرة وارتباطاً وثيقاً بشهر رمضان الفضيل؟ وهل وجود الكهرباء يعني انه احنا لازم نبطل نشتري فوانيس رمضان اللي بنزيّن فيها مداخل البيوت؟! وهل وجود العمارات الضخمة والابراج الفارعة يعني اننا لم نعد بحاجة الى انشاء الخيم والمجالس الرمضانية الجميلة؟
المسالة في رايي المتواضع اننا نتحدّث هنا عن تراث رمضاني ذي قيم جليلة نابعة من ثقافة دينية عظيمة، تاصّل عبر الازمان والحقب التاريخية المختلفة في اعماق نفوسنا وفي جذور حياتنا الاجتماعية. ومن هنا فان هذا التراث العريق سوف يظلّ اكبر بكثير من ايّة متغيّرات شكلية لهذا العصر او ذاك. فالاصل دائماً يغلب على التقليد، كما ان المضمون يظلّ اقوى واعمق من الشكل والمظهر.