رسائل الأربعاء الدامي في بغداد   عدد القراء : 1415   .


د . خالد المعيني
تخضع العلاقات بين الدول إلى نمط معروف من التقاليد في كيفية احتواء الأزمات والمشاكل التي قد تنشب باستمرار ، وذلك عبر قنوات دبلوماسية وسياسية معروفة ومتراكمة ، تشذ عن هذه القاعدة الدول ذات الحكومات غير المستقرة والمسلوبة الإرادة تحت ضغط استحقاقات الاحتلال أو الفشل والعجز الداخلي حيث لا يمكن التنبوء بطبيعة ردود مثل هذه الدول أو توقع المسارات التي تتخذها أو تسلكها.
وفي العراق بعد أن كانت حكومات الاحتلال المحلية المتعاقبة تستجدي أن يطأ أرض العراق تحت الاحتلال قدم أي سفير عربي ، نجدها اليوم بكل تخلف وهمجية تحمل معولاً لتهديم  وتخريب لاي مقترب عربي نحو العراق وتحاول من خلاله كيل الاتهامات جزافا تصدير أزمات فشلها وعجزها إلى الخارج ، وتحديدا الى دولة شقيقة ربما هي الوحيدة التي حرصت رغم الضغوط واختارت أن تقف طيلة حقبة الاحتلال بمسافة واحدة ومتساوية من جميع مكونات الشعب العراقي والأدهى من ذلك إن هذه الدولة هي من حافظ على أرواح ملايين العراقيين التي كانت تحصدها يد الموت الأمريكية وفي مقدمة هذه الملايين كفاءات العراق العلمية من علماء ومهندسين وأطباء عجزت هذه الحكومات ولا تزال من توفير العيش الكريم والآمن لهم.
طبيعة الاتهامات وتوقيتها
جاءت اتهامات الحكومة العراقية إلى سورية  على خلفية تفجيرات يوم الأربعاء الدامي الذي ذهب ضحيته مئات العراقيين ، وأعقب ذلك تصعيد إعلامي وسياسي تم تتويجه بمطالبة وزير الخارجية العراقي من الامم المتحدة تشكيل محكمة دولية ، ومن يقرأ خلفية هذه الاتهامات يلاحظ من سرعة توجيه الاتهام دون استكمال التحقيقات الفنية ، والتوقيت الذي أطلقت فيه ، إذ لم يجف بعد حبر اتفاقية التعاون الاستراتيجي التي وقعها المالكي في دمشق ، ليلقي بظلال من الشك والريبة على دوافع وخلفية هذا الاتهام وتشابه ظروف هذه الاتهامات مع ظروف تشكيل المحكمة الدولية للتحقيق في مقتل رفيق الحريري.
الحرص المزيف
لا يمكن وصف هذه الزوبعة المفتعلة والحرص الكاذب على أرواح العراقيين وتحميل سورية كل هذه الاتهامات في وقت تناست فيه هذه الحكومة دماء مليون ونصف مليون من الضحايا قضى معظمهم على يد  قوات الاحتلال الامريكي والمرتزقة والمليشيات ، إلا  بالمراهقة السياسية  وسذاجة وخيبة من أطلقها وتبناها الذي يبدو إنه لا يزال يعيش بعقلية التخلف وحقبة المعارضة والتي من سخرية القدر إن معظم من كان فيها ويحكم العراق حاليا قضى حياته في حماية وضيافة سورية ، ولكن هذه الطبقة من أنصاف المتعلمين والأميين لم يكن لها ولن ترتقي إلى عقلية وحصافة رجال الدولة ، فالرسائل التي تمخضت عن حجم التفجيرات وشدتها وطبيعة استهدافها لمواقع رسمية حساسة هي رسائل داخلية بامتياز ، إذ الصراع العميق والمتفاقم بين أجنحة السلطة السياسية العراقية أمر لم يعد خافيا ويتصاعد على أشده كلما اقتربت توقيتات الانتخابات ، لاسيما وإن هناك انشقاقات في التحالفات والائتلافات ذات الطبيعة الطائفية والعنصرية قد تطيح بآمال الكثير ممن تعاون مع الاحتلال والذين أصبحوا معزولين ومكروهين من الشعب العراقي بعد أن كشفت أكاذيبهم وزيف إدعاءاتهم في الحرص على مظلومية الشعب العراقي والتغني بها طيلة عقود قبل أن يأتي بهم الاحتلال على سدة الحكم عرفانا منه بتعاونها.
الدور الأيراني التخريبي
بصمات إيران وفيلق بدر على المستوى الداخلي فأن المؤشرات الواضحة تشير إلى إن هذه التفجيرات جاءت من أطراف داخلية لتقويض الامتياز الوحيد للحكومة الحالية في أنها قد حققت تحسنا أمنيا نسبيا وهشا فجاءت هذه التفجيرات التي طالت معظم وزارات الحكومة العراقية لإعادة رئيس الحكومة الى رشده خاصة وأنه ينوي دخول الانتخابات القادمة بعيدا عن سرب المرجعية ولإجباره على العودة إلى بيت الطاعة الإيراني في قائمة الائتلاف الطائفي ، إيران التي أبلغت بقوة كافة الأطراف السياسية الطائفية الكبيرة والصغيرة والتي ترتبط بها بشكل مباشر أو غير مباشر بضرورة عدم الابطاء والالتحاق فورا بالائتلاف المتهرئ والمتصدع وذلك لرص الصفوف والتهيؤ لدخول الانتخابات القادمة التي يجب أن لا تكون نتيجتها بعيدا عن الإرادة الإيرانية في التحكم بمقاليد العراق ولو من خلال أضحوكة ومهزلة الديمقراطية ، ولعل ذلك يفسر سر عودة التيار الصدري وحزب الفضيلة صاغرين إلى الائتلاف ، فإيران أبلغت الجميع دون استثناء إنها ستعلن الحرب على كل من يخرج عن هذا الائتلاف ، وجاءت الرسالة سريعة للمالكي ، فالتفجيرات التي طالت معظم وزارات الحكومة والبرلمان والمنطقة الخضراء وانسحاب معظم قوات الشرطة والجيش من ساحات بغداد لمدة ساعتين قضت على أي أمل له في منافسة الائتلاف الطائفي الذي يحاول أن يشق عصا الطاعة عنه.
ورغم الدلائل المستنبطة من حجم الفعل المنفذ والذي لا يمكن تنفيذه إلا على مستوى استخبارات حكومية وكذلك ثبوت تورط الأجهزة الأمنية التي هي أصلا أجهزة مخترقة من قبل فيلق بدر والاطلاعات الإيرانية ، لم تجد الحكومة العراقية الشجاعة الكافية لاتهام هذه الأطراف ، خشية من تفجير العملية السياسية ونسفها من الداخل فما كان منها إلا الاستعجال في تصدير التهمة إلى الخارج.
لماذا تستهدف سورية
يلاحظ المراقب لدور سورية في العراق منذ الاحتلال الأمريكي إنها كانت على الدوام حريصة رغم شدة الضغوط  التي تعرضت لها بشكل مباشر بعد الاحتلال على التمسك بمفاتيح أثبتت السنين اللاحقة صوابها ، وأهمها كان الوقوف مع الشعب العراقي في محنته من خلال رفض الاحتلال واستضافة الملايين من خيرة أبنائه لاسيما  كفاءات الطبقة الوسطى التي عول الاحتلال على تصفيتها للقضاء على أي أمل مستقبلي للعراق ، وكذلك رفض تقسيم العراق تحت ذريعة مشروع الفيدرالية ، والاهم من ذلك إنها ورغم علاقتها الإستراتيجية مع إيران فأنها تعد عروبة العراق خطاً أحمر في هذه العلاقة ، وهي تشجع على المصالحة الوطنية بشرط أن تقوم على أسس إستقلال العراق ووحدته وهويته العربية وأن لا تستثني أحد من أبنائه ، هذه المواقف الحقيقية جعلت من سورية محط ثقة مختلف الشرائح العراقية.
من جانب آخر أدرك الغرب والولايات المتحدة المتورطة في مستنقعات المنطقة عدم جدوى أستمرار محاصرة سورية  وأن بإمكانها أن تلعب دورا محوريا في حل المشكلات الإقليمية ، لاسيما بعد نجاح سورية في انسيابية حل الملف اللبناني الشائك مما سرع في وتيرة تحسن العلاقات الأوربية الأمريكية مع سوريا في الآونة الأخيرة ، الأمر الذي قد يهيأ الأرضية لدور سوري مقبل في العراق ،  أغضبت هذه المعطيات عدة أطراف إقليمية متحكمة حاليا في الشأن العراق ولديها أدوات قادرة على تنفيذ ضربات بحجم الذي جرى يوم الأربعاء الدامي سواء ميليشيات متنفذة داخل الأجهزة الأمنية العراقية أو شركات أمنية وخلايا للموساد محمية أمريكيا وفي ظل الاحزاب الكردية ذات النزعة الانفصالية ، تهدف هذه الأطراف الإقليمية من خلال التفجيرات إلى تحقيق الأهداف الآتية:
أولا  - الاستمرار في الاستئثار بالملف العراقي وحرمان سوريا أو أي دور عربي مقبل من دخول العراق خاصة وأن سورية أصبحت مهيأة للعب مثل هذا الدور ومقبولة من كافة الأطراف العراقية.
ثانيا - تبطئة وتيرة التسارع في تحسن العلاقات الأوربية الأمريكية مع سورية وهذا هدف إستراتيجي إيراني  وإسرائيلي مشترك ، ولكن كلاً منهما ينظر اليه من زاويته ومصالحه وحساباته.
ثالثا - التقارب السوري العراقي على مر التاريخ خط أحمر معروف ينبغي استمراره لأنه ببساطة سيشكل نواة إستراتيجية لا تروق لإيران وإسرائيل.
رابعا – الضغط على سورية لاعادة الملايين من كفاءات الدولة العراقية المقيمين في سورية بعد الفشل المتكرر وعجز حكومات الاحتلال المتعاقبة في ظل الاحتلال.