| اقتطاع سنجار أولى خطوات المؤامرة والتي شعارها (من الجبل إلى الفرات)   عدد القراء : 4129   . حسين المعاضيدي .... يعرف بمواكر الطيور الجارحة, وبأنه النور الذي يسرق الأنظار فتظل رهينة له، والربيع الذي يترك بصمته على الأرض المجدبة، فُيثير فيها الشجن والشوق لتتغنى بها البلابل والعصافير، وفي أعماقه أسرار الحياة وكهوفه لا تزال تردد صدى الأيام الخوالي، أيام الحرية، أيام شقائق النعمان التي تكثر في جنباته، وهو سر غريب من أسرار الوجود، بل هو الشعاع الواصل بين الحياة والموت، ويحمل معه أسرار الإنسان، وذكريات الزمن البعيد، التي أتت من أعماق الأرض، ساقياً الورود والأزهار، وراوياً لعطش الرعاة، وعلى جنباته وقمته الشاهقة يدمع الغيم، فيبكي، ويفيض ماؤه رغم قسوة وضياع الإنسان بين جنباته في زمن الاحتلال.. إنه جبل سنجار المكبل بقيود البيشمركة، فتحولت قصة أسره أكثر غرابة من غرائبه التي حار في فك طلاسمها العلماء. الذهاب إلى سنجار يحتاج لأكثر من تصريح، والصعود على ذلك الجبل الشهير يحتاج لسبعة أرواح بدل الروح، ليس لعلوه وارتفاعه، فهذا من المسلمات به لجبل مثله، وإنما لأنه يتحتم عليك، ومع كل دورة من دورات الصعود إلى قمته، التوقف ليتم تفتيشك على يد مليشيات البيشمركة الكردية، وسؤالك من أين جئت، والى أين ذاهب، وما طائفتك، وما قوميتك، وهل لك جذور غير سنجارية، أو غير كردية، أو غير أزيدية، قبل أن يتم تنظيف جيوبك، هذا بالطبع ان كنت كردياً أو أزيدياً، أما ان كنت من قومية أو طائفة غير تلك، فيتوجب عليك، أن نجوت من القتل على أيديهم، العودة من حيث أتيت، وإلا فانك ستهوي من فوقه وتتدحرج كما تتدحرج كرة الثلج من أعلى الجبل. سنجار وحادثة الطوفان سنجار تلك المدينة التي يحتضنها الجبل هي الأكثر عمقاً في دهاليز الزمان الممتد عبر ذاكرة الطبيعة والإنسان، والتي يرجع جذور تاريخها إلى آلاف السنين قبل الميلاد، ورد اسمها في كتب التاريخ وكتب الرحالة وهي منطقة جبلية وسياحية، ونالت إعجاب المؤرخين والرحالة والمستغربين أثناء زياراتهم لها، لحملها كل مبادئ الإنسانية، واختمرت في ثناياها كل معاني القومية والعقيدة والدين، ويرتبط اسمها بحادثة الطوفان إذ أن سفينة سيدنا نوح (عليه السلام) لمّا مرّت بالجبل نطحت به فقال (عليه السلام) هذا سن جبل جار علينا فسميت (سنجار)، ويعود تاريخ سنجار إلى الألف الثالث ق.م. وتعد سنجار مركزاً زراعياً وسياحياً ورافداً مهماً لمحافظة نينوى، ويطلق عليه العلماء تسمية جبل الذهب والمعادن، وتدور السيارة عشرات المرات حول الجبل قبل ان تصل إلى قمته، لونه من بعيد اسود، ولكن حينما تصله تشاهده مائلاً إلى الحمرة الداكنة، وتوجد فيه أشجار التين والأعناب والبلوط، وهو جبل وحيد وتحيطه أراضٍ مستوية واغلبها مزروعة ديماً، وهو يقع ضمن منطقة ربيعها طويل، ويُشبّه البعض المنطقة التي يقع فيها بمدينة دمشق لجمال طبيعتها ومناخها، وأبرز ما يميز جبل سنجار افتقاره للجاذبية الأرضية، إذ ان السيارة عندما تسير في ذلك المكان تندفع إلى فوق بقدرة الخالق، والإنسان يندفع إلى الأعلى وكأنه في مركبة فضائية قرب القمر. حاولت زيارة الجبل بعد الاحتلال فعجزت عن الوصول إلى قمته الشاهقة الارتفاع والجمال والروعة والغرابة، بل وعجزت من الوصول إلى قاعدته السفلى وقبل ذلك المنطقة التي يقع فيها، والتي يسر الله لي زيارتها قبل سنوات الاحتلال البغيض، وما منعني من الوصول إلى ذلك الجبل اليوم ، إلا تلك النعرة اللعينة والطائفية المقيتة التي دبت في أوصال من يحكمون العراق اليوم باسم ونيابة عن المحتل، فعاثوا، أهلك الله حرثهم ونسلهم، في بلاد النهرين فساداً في أعقاب الاحتلال، فلعدم كوني كردياً أو أزيدياً فقد أصبح الوصول إلى ذلك الجبل من المحرمات في شرع الذين نصبهم المحتل حكاماً على اعرق شعب، واشرف بقاع الأرض، بعد بيت الله سبحانه وتعالى، ومدينة رسولنا الأكرم، صلى الله عليه وسلم، والمسجد الأقصى، ألا وهو شعب وأرض العراق. جبل سنجار من التراث الطبيعي والثقافي العالمي، كما أنه حديقة جيولوجية عالمية وقاعدة بحوث للجيولوجيين ومخزن بدائي لعلماء الأحياء، ولوحة فنية معجزة، ومصدر إلهام للأدباء والشعراء، ويعد من الجبال التي تتميز بالغرائب من قمته الغريبة إلى أحجاره العجيبة، إلى نباتاته وأشجاره المدهشة، وسحبه المحلقة والمتطايرة، وماؤه المتقاطر. يمكن مشاهدة ورؤية مناظر الجبل الرائعة من مسافة بعيدة، أما صعوده فيجعلك تتمتع بقممه الغريبة، وأحجاره العجيبة، التي تتوسط السحب المتحركة لتكون مناظر خلابة من صنع الخالق البارئ. رائحة الصفاء في قعر اناء استذكرت وأنا ممنوع اليوم من الوصول إلى ذلك الطود الشامخ، المنتصب، المتقد رفعة، رغم نقاط الأقزام التي تحيط به من كل جانب، خوفاً من ان يرتقيه من لا يتوافق ومخططاتهم الطائفية، وبرامجهم السيئة الصيت، استذكرت ذلك اليوم الذي وقفت فيه على مشارف المدينة التي تسمت باسمه، حيث كنت انظر إليها وكأنها في قعر أناء، فأشجارها التي تتناثر على الطريق تبدو للناظر من بعيد وكأنها خرزات مرصوفة الواحدة تلو الأخرى، تتلألأ خضرةً وتفوح منها رائحة الصفاء، وتحتضن مئات البساتين والمناحل وآلافاً مؤلفة من قطعان الماشية. أوقفنا السيارة حينها عند مدخل المدينة وترجلنا منها، فقد شدنا منظر المياه التي تتسابق قطراتها في سباق ليس مع الزمن، وإنما مع أقدام السابلة وإطارات السيارات في شوارع تكاد تكون خالية إلا من سيارة هنا وأخرى هناك. كان الماء يخرج من أسفل المدينة التي تنظر إليها وكأنها أسفلك، حتى لا تكاد تبصر بيوتاتها البعيدة ما لم تقترب أكثر منها، كونها في هاوية سحيقة من العمق، ومنها يندفع الماء باتجاه أول الطريق وبداية المدينة، وكأنه يسارع للترحيب بالزائرين قبل ترحاب أهلها بهم. وضعت يدي في طريق الماء، فلربما ضل بصري أو تاه، أو ربما أختلط عندي حابل البصر بنابل النظر، فأصبت بما يعرف علمياً بخداع البصر، أو وهم السفر، أو حتى بدوار البحر على البر، فاعترضت الماء بيدي وأصابعي، فتيقنت ان الحقيقة ظاهرة وواضحة كسطوع شمس النهار، وان ما سمعنا به من ان المياه في سنجار تجري ليس بعكس عقارب الساعة، وإنما بعكس الصعود والمرتفعات والعلو إنما هو حقيقة لا غبار عليها، ومع إننا سمعنا ان ظاهرة صعود الماء إلى الأعلى تقتصر على جبل سنجار فقط، إلا انه تبين لنا ان شوارع المدينة وطرقاتها هي الأخرى تشهد هذه الظاهرة الغريبة، وهو ربما الاكتشاف الذي لم يسبقنا إليه غيرنا اللهم باستثناء أهالي المدينة الذين تفاجأ كثير منهم بما اكتشفناه نحن، حتى ان أحد أصحاب الدور التي يمر الماء باتجاه الأعلى من أمام داره أثارت استغرابه الظاهرة، وأكد لنا انه لم ينتبه لهذا الأمر من قبل. تقع مدينة سنجار في أسفل الجبل، وفي قعر وادٍ، لتصبح بين كماشتي الجبل وما يحيط بالجبل، والقاصد للجبل عليه ان يتجه للأسفل في انحدار كبير قبل ان يعود لتتقطع أنفاسه من طول مسافة الصعود إلى القمة التي تكاد تنافس غيوم السماء في ارتفاعها، في عشرات الدور المتعرجة نزولاً باتجاه القمة، أو هكذا كنا نشعر لا صعوداً نحوها. الوصول إلى القمة هو الهدية المثلى لزوار جبل سنجار، والمتجه إلى القمة سيمر بالكثير من الأشياء التي تجعله يقف ويتأمل عظمة الخالق وغرابة ما يحويه الجبل من كنوز يندر وجودها في عرض هذا الكون العظيم وطوله. في الطريق إلى قعر الجبل السفلي أو قاعدته العريضة كان علينا ان نسير في انحدار كبير قبل ان نعاود الصعود، وهذه أولى غرائب الجبل، توقفنا في الطريق لأكثر من مرة، وأجرينا تجارب بالماء الذي كنا نحمله معنا، فكنا نتوقف هنا مرة ومرة هناك، لنتأكد من صدق الظاهرة، فكانت في كل مرة تتأكد شكوكنا، ويثبت لنا الباري عظمة عجائب خلقه وصنعه. ننظر إلى البعيد فنرى شدة الانحدار ونسكب الماء لتتسارع المياه باتجاه الأعلى، فنضحك تارة لما تراه أعيننا، ونعظم الله تارة أخرى لما يحدث. التوقف لمرات ومرات وصلنا إلى قاعدة الجبل، وأخذنا بالصعود متعرجين في استدارات شديدة الانحدار، فكانت السيارة تزأر وكأنها تناشدنا تخفيف الضغط على دواسة البنزين لانسيابية وانحدار الصعود، فالسيارة وكما يقول لنا سائقها كانت وكان هناك ما يدفعها نحو الأعلى ويجذبها من مقدمتها ويحاول تعجيل صعودها. كان علينا التوقف أكثر من مرة وفي أكثر من مكان، فالصعود المتعرج وتغيرات الضغط تجعلنا نخفف من سرعة صعودنا الجبل، كما أننا كنا نتوقف لنجري التجارب ونختبر هذه المنطقة من الجبل وتلك، وبعد ان شح الماء ونفد ما تبقى عندنا، ابتكرنا طريقة جديدة لإجراء التجارب، وكانت هذه المرة بالسيارة، فقد كنا نتوقف ونترجل من السيارة ونترك السائق فيها ونحن نصور بكاميرتنا حقيقة ما يجري، فكانت السيارة تنساب نحو الأعلى وكأن سيارة أخرى تجرها باتجاه القمة. استغرق منا الوصول إلى القمة وقتاً طويلاً تجاوز الساعتين نتيجة ارتفاع الجبل الشديد، إلى جانب استغراقنا في التجارب التي كنا نجريها كل عدة أمتار لتطمئن قلوبنا، ولكي نستوعب الظاهرة أكثر وأكثر.. قبل وصولنا إلى القمة ظننا أننا الوحيدين الذين اعتلينا تلك القمة في ذلك اليوم، باستثناء مشاهداتنا بعض الأشخاص الذين كانوا يمتطون حميرهم وبغالهم وهم يسيرون مع الطريق إلى حيث لا ندري، ورعاة أغنام كنا نبصرهم هنا وهناك على ذلك الجبل الشاهق العرض والارتفاع، لكننا فوجئنا بوجود الكثير ممن سبقنا إلى قمة الجبل، وكان أكثرهم من أبناء الطائفة الأزيدية الذين كانوا في زيارة لمقام أحد الأشخاص المقدسين في معتقدهم الديني، الذي كانوا يتبركون بزيارته وبالأحجار التي رصفت فوق قبره، وبالقبة التي بنيت فوقه. التقينا على قمة الجبل بعدد من المتواجدين هناك لنستفسر منهم عن ظاهرة صعود المياه أو السيارات باتجاه القمة فيما لو منحت حرية الحركة، في مخالفة ظاهرة لقوانين الطبيعة، فراح عدد من هؤلاء يشرحون لنا أسباب هذه الظاهرة مشيرين إلى ان بركة مزارهم هو سبب هذه الظاهرة الغريبة، بل وراحوا يؤكدون ان مقام (وليهم) هو نقطة الجذب للأشياء، سواء على الجبل، أو من حول الجبل. رشفة ماء تركناهم بعد ان أهدونا عنباً وتيناً في غير موعده بعد ان قطفوه من أشجار الكروم والتين التي يعج بها الجبل وتتكاثر بلا تدخل من يد الإنسان.. وفي طريق نزولنا، أو قل هبوطنا من على سفح الجبل وقمته، اعترض سبيلنا احد العراقيين من غير الأزيديين كان يقيم في القرى التي تتناثر حول الجبل، طلب منا رشفة ماء فأعطيناه ما تبقى لدينا، وسألناه بدوره عن ظاهرة صعود الأشياء، كالماء وغيره باتجاه الأعلى على ظهر جبل سنجار، فراح يؤكد أنه ومعه الكثير من مرتادي الجبل يعانون من عملية النزول من الجبل، كونها أكثر صعوبة من الصعود إليه بحكم ما يجري على سطحه من ظواهر غريبة، وراح يعلل هذه الظاهرة بان جبل سنجار هو الجبل الذي رست عليه سفينة نبي الله، سيدنا نوح عليه السلام يوم الطوفان الكبير، مشيراً بأصبعه إلى المنطقة التي رست فيها على ذلك الجبل، مؤكداً انه لا تزال لغاية الساعة هناك بقايا من تلك السفينة على شكل مسامير وبقايا أخشاب وغيرها، مشيراً إلى ان المكان الذي رست عليه سفينة نوح هو مركز ذلك الجبل وان ذلك المكان بات مقدساً كما يقول فأصبح هو نقطة جذب الأشياء. كانت تلك الخرافات التي أدلى بها السكان مدعاة للبحث عن التفسيرات العلمية لهذه الظاهرة الغريبة والمعقدة، فالتقيت بعدد من العلماء المختصين بتفسير هذه الظاهرة، فخرجت من عندهم وأنا أكثر حيرة حول سره الغامض. وبين خرافات الناس الدينية، وتفسيرات العلم المتضاربة والمتناقضة، ضاعت حقيقة ما يجري على سفح جبل سنجار من ظاهرة غريبة، بل أقل ما توصف بأنها غريبة، وليس من رأى كمن سمع. اقتطاع سنجار إن جبل سنجار فردوس على الأرض، يجمع بين جمال الجبال وروعتها، وبين غرائب الخلق وعجائبه، كما أنه لا يخلو من خطورة، فقممه تناطح السحاب، وأوديته عميقة سحيقة، وتشكل الشجيرات والأحجار والسحب الوردية منظراً خيالياً رائعاً مزخرفاً بالزهور الملونة، مسكوناً بالهدوء، بعيداً عن أي ضوضاء، ومهما قيل في وصف سنجار فلن تستمتع بمنظره، إلا بعد أن تزوره، خصوصاً حينما يعتدل الجو، وتهطل الأمطار، وتخضر الأشجار، وتنبت الأزهار، وتزهر الأعشاب، فآنذاك يُعد ذلك من أجمل اللحظات والأوقات على سفح جبل سنجار. هذا الجبل الغريب العجيب يئن اليوم ويطلق من فوق الغيوم صرخة، ناعياً دروب الرثاء، فلا ليل له ولا نهار، لا شكل له، ولا لون، صرخاته زفرات وعبرات، فهو على ضرام اللهب يحبو، وفي صمت الحلكة الداجية يرجو، منادياً، مستغيثاً من ظلم سجانيه وآسريه، ينادي اليوم وهو مكبل بالأغلال، ينادي الأرض والسماء، ينادي الملائكة والأنبياء، ينادي القمر والهواء، يناديهم ليشكو لهم ظلم سجانيه اليوم، ولكن لا إجابة للدعاء، ولا من مستمع لصراخ الأسير؟ ان المؤامرة على العراق ليست بتلك البساطة التي يظنها البعض، فمحاولة اقتطاع سنجار وجبلها الذي كان على الدوام مقصداً للزوار ممن يحاولون استكشاف غرائبه وعجائبه هي أولى خطوات حلقة المؤامرة تلك، والوقائع تشير إلى أنهم يعملون بكل السبل على ضم سنجارنا إلى إقليمهم المسخ، وكيانهم الموعود، ودولتهم الفانية، وأولى بدايات هذه الخطوة تحريم زيارة الجبل على غير الأكراد والأزيديين، تجسيداً لشعارهم الجديد (من الجبل إلى الفرات). وحتى تتحقق أحلام يقظتهم، عليهم ان يبصروا نجوم السماء في ظهر يوم تموزي، مغبر، مليء بالدخان. |