حقيقة تقسيم العراق.. ولعبة الدستور   عدد القراء : 1453   .

 

ان المتتبعين للتقارير الرسمية  وغير الرسمية التي  كانت تصدر عن الاميركان قبل احداث الحادي عشر من سبتمبر كانت جميعها تؤكد قلقهم الكبير من العبارات التي  تتضمنها خطابات الاسلاميين الرافضين للهيمنة الاميركية والداعين للتصدي لها والتي كانت يرد فيها ذكر اقامة الدولة الاسلامية {دولة الخلافة} ولم يكن غائبا عن بال احد بان دولة الخلافة التي ازدهرت في العراق وانتهت فيه وبغداد بالنسبة للعرب والمسلمين هي عاصمة الخلافة ومركز اشعاعها ، هذه الافكار كانت تؤرق الاميركان وكذلك الصهاينة وتجعلهم يستشعرون خطورتها ، لذا فانهم استبقوا الامر واتخذوا قرارهم مباشرة بعد احداث الحادي عشر من سبتمبر بالقضاء على العراق  بكيانه التاريخي المعروف تماما بحيث يجب تحويله الى كيان اخر غير الذي هو عليه الان لانهم على قناعة ان هذا البلد يشكل خطراً عليهم باعتباره يمثل الثقل الاساسي للامة العربية والاسلامية ودولتها التي حكمت نصف الكرة الارضية الامر الذي لم يتسن لكل الامبراطوريات في التاريخ ، وكان لابد لهذا الهدف من محتوى اقتصادي يحقق لهم اسس الهيمنة على العالم وهو المال الذي يمنح القوة و الديمومة للتفرد الاميركي ، فقبل ثلاثة أعوام من الغزو ذكر وزير الدفاع الأمريكي الأسبق هارولد براون وهو يدلي بشهادته أمام الكونغرس أن التراجع المتنامي لأمن مصادر الطاقة يمثل أكبر تهديد لأمن الولايات المتحدة على المدى البعيد . وهذا الامر ليس جديدا فان جميع الساسة الاميركان يركزون على امر النفط  وقد قالها صراحة الرئيس الأمريكي السابق جيمي كارتر في اخرخطاب له كرئيس بان أي محاولة تقوم بها قوى خارجية للسيطرة على منطقة الخليج العربي ستعتبر تحديا على المصالح الحيوية للولايات المتحدة وتستلزم مواجهتها بكافة الوسائل بما في ذلك القوة العسكرية. وعليه فإن المسألة هي سياسية واقتصادية في آن واحد حيث إن الادارة الاميركية تتوفرلديها معلومات تفصيلية عن النفط العراقي واهميته لذا فأن مخططي الحرب الأمريكيين ركزوا على اهمية السيطرة على حقول النفط العراقي في الشمال والجنوب ( كركوك والرميلة ) باي ثمن لانهما يضخان ثلاثة أرباع الإنتاج الحالي من النفط العراقي ، ومثل هذا الهدف قد يتطلب تقسيم العراق باي شكل من الاشكال ، وهكذا فان اهداف احتلال العراق لا يمكن ان يدانيها اية اهداف اخرى من ناحية الجدوى الاقتصادية والاستراتيجية . فتصوروا ايها السادة  مدى خطورة الامر، تدمير دولة لاهمية دورها التاريخي وخطورته في نهضة الامتين العربية والاسلامية , وتأثير ذلك على العالم وعلى الانسانية وكذلك الاستحواذ على ثرواتها النفطية المهمة للاقتصاد الاميركي و في تعزيز الهيمنة الاميركية على العالم وديمومتها ، ولم يسبق لغزاة ان اجتمعت لهم مثل هذين الهدفين الحيويين لتحقيقهما في أن واحد منذ فجر التاريخ.
 ان تحقيق مثل هذه الاهداف الحيوية ليس من السهولة بمكان فلابد ان تكون صفحاتها عديدة ومتنوعة ولابد وان يتم انجازها حتى لو كان الثمن ذبح نصف الشعب العراقي وتدميره وتمزيقه  فهم عاقدون العزم عليها بعدما اضحت السبيل الوحيد الان لانجاز مشروعهم المتهاوي تحت ضربات المقاومة العراقية الباسلة والرفض الشعبي الكبير للاحتلال والفضائح المتوالية التي كشفت حقيقته واهدافه وممارساته والتي اصابة ايضا المجتمع الدولي بالصدمة والشلل وجعلته عاجزا عن اصلاح هذا الخطأ الكبير والجريمة التي ترتكب بحق العراق وشعبه ، لذا فأن الادارة الاميركية تعتبر مسألة الدستور واتمام ما يسمى بالعملية السياسية المزعومة  مخرجا مهما لها ولما تقوم به في العراق الان او لاحقا ، اذ ان المهم لديها هو ان تنهي صفة الاحتلال عن وجودها على ارض العراق ومسألة التحكم بمصيره ومقدراته وارتهان سيادته وتظهر للعالم ان العلاقة القائمة بينها وبين اتباعها العملاء الذين نصبتهم في العراق هي علاقة مع دولة فيها حكومة ذات صفة شرعية كونها حكومة دستورية  وبهذا تسقط كل المبررات والحجج والاتهامات التي تقيد استفرادها بالعراق كونها في هذا الحال ستكتسب صفة دولة تتعامل مع دولة دستورية صديقة طبقا لاتفاقيات ومعاهدات ثنائية وفقا لمصالح واردة الدولتين ، بما لايجعل مجالا للشرعية التي تحمكها القوانين والمعاهدات الدولية المطالبة باتخاذ اجراءات ضدها او ملاحقتها عن اي جرائم او افعال او الاعتراض عليها او حتى انتقادها هذا من جهة ومن جهة اخرى هو تركيع الشعب العراقي واخضاعه لارادته عبر اعوانها باسم الدستور والشرعية الوهمية القائمة على فكرة الايغال بتمزيق وحدته وكيانه التاريخي المعروف  بالاشتراك مع عملائها الذين تعاونوا معها على الغزو والاحتلال واصبحوا على رآس السلطة في العراق وكذلك اطرافا انتهازية اخرى ظهرت مؤخرا داخل العراق  بالاضافة الى عدد من دول الجوار في مقدمتها ايران والكويت فالجميع باتوا يعملون على  تمزيق  هذا البلد باعتباره الحل الامثل للمضي في السيطرة عليه وانهائه .
فدعوة عبدالعزيز الطبطبائي في 11 آب في خطابه بمدينة النجف للمطالبة  باقامة إقليم فيدرالي لجنوب ووسط العراق لم تكن محظ صدفة او وليدة رغبة متفردة للتجمع الذي يتزعمه وانما هي في صلب الموضوع لتحقيق الاهداف المتشابكة للتحالف الاميركي الصهيوني المتناغم مع احلام الفرس واطماعهم.
ان تفكيك العراق وشرذمة الانتماء الوطني فيه ،هو بالاساس هدف صهيوني اذ ان الصهاينة كانوا اول من اطلق فكرة ان العراق دولة مصطنعة، وان تركيبتها الاساسية التي تبلورت عام 1920 بعد انهيار الامبراطورية العثمانية كانت تركيبة خاطئة ، ولا بد من اعادة صياغته وفق تقسيمات طائفية وعرقية. قد سخروا كل ادوات الاعلام لاشاعة هذه الفكرة ، لقد كانت هناك حملة مكثفة عشية دق طبول الحرب على العراق للترويج لهذه الفكرة  فقد تحدث بها  المؤرخ الاسرائيلي بيني موريس في لقاءات للاذاعات الاميركية قبل الحرب على العراق قائلا : (بأن العراق دولة مصطنعة رسمها الانكليز و خلط فيها عشوائيا شعوبا و طوائف لا تريد في الحقيقة أن تتعايش مع بعضها) كما تحدث عنها المؤرخ اليهودي الاميركي برنارد لويس معتبرا ان العراق هو دولة مصطنعة، وان احتلاله فرصة لتصحيح هذا الخطأ الذي ارتكبه البريطانيون، أي تفكيكه الى عدة دويلات، بحسب الطبيعة السكانية، وانتماءاتها الدينية والعرقية .!! . ان هذا امر طبيعي بالنسبة للصهاينة ان يخشوا العراق لانه البلد العربي الوحيد الذي تفرد بميزة توحيد الامة العربية والاسلامية المترامية الاطراف رغم تنوع اطيافه واحتضانه لشتى الملل والنحل . 
ونعود الى امر التقسيم عبر الفدراليات فلقد بدى خلال الايام الماضية ان المضي فيه يواجه عقبات اهمها التنازع المحموم على الاستئثار بالمغانم  بين الاطراف التي تسعى الى هذا التقسيم الذي قد يخلق اشكالات عديدة  ، ورافق ذلك حالة الرفض الشعبي لها التي عبرت عنها التظاهرات التي  جرت في مدن عديدة شاركت فيها مختلف الاطياف العراقية ، فقد يجد الاميركان  في ظل الاوضاع الحالية ان اطلاق عملية تقسيم العراق على اساس خلق فدراليات اثنية وطائفية قد يضاعف المخاطر على قوات الاحتلال وربما تمثلت امامهم تجربة البريطانيون حيث اعتقدوا عند دخولهم بغداد في عام  1917 ان العراقيين غير موحدين واوغلوا في الاعتداء عليهم ، ولكن البريطانيين فوجئوا بقيام انتفاضة شعبية شاملة في عام 1920 غطت كل العراق و شارك فيها الشعب العراقي بكل اطيافه وكلفت المحتلين آلالاف من القتلى ، وهذا قد يدفعهم لتخفيف حدة الاندفاع للتنفيذ العاجل لموضوع الفدراليات ويصار الى تضميتها بصيغ وفبركات مبهة في مشروع الدستور ، ضمن لعبة خبيثة يراد بها تمرير المخطط الاصلي لانجاز العملية السياسية الوهمية التي تخدم الاميركان ولجر اطراف اخرى للمشاركة فيها والاستفتاء على الدستور.اما عن موضوع رفض المرجعيات لهذه الفدرالية او تلك او عدم مباركتها ، فنعتقد ان هذه المرجعيات لا تتصرف الا كأداة يمرر لها ما يراد ان تنطق به طبقا لاغراض المعنيين وايحاءاتهم ليس الا.
وللاسف ان الامر يبدو قد انطلى على البعض  ، كما راح البعض الاخر يروج له عبر اطلاق فتاوى واجتهادات متناسين الاحتلال وعدم شرعية كل اجراءاته و التي لاتقرها اية شرعية او قانون اودين ،  وهذا الامر بيَن لكل مؤمن ووطني غيور وهو ليس بحاجة الى اجتهاد او فتوى من لابس لعمامة او جبة او عقال و يشماغ او بدلة (سموكن) مهما وضع امام اسمه من مسميات وتخصصات ، خصوصا الذين راحوا  يجتهدون اليوم في امور الباطل بعد ان سكتوا عن الاجتهاد في امور الحق والدعوة له.
 ان اللعبة لن تنطلي على احد اذ ان مشروع التقسيم لازال قائما وحاضرا بقوة ليس عبر الفدراليات فحسب بل عبر موضوع تقاسم الثروات فهو التقسيم الحقيقي للبلاد ايضا ، حيث ان توزيع الثروة حسب الاقاليم او المحافظات يلغي تماما ملكيتها القومية للعراق الموحد الذي سيكون كدولة مجرد كيانا هشا يتلاعب بمصيره امراء الطوائف وسراق الثروات والمتحكمين بها ، لذا فالكل الان يريد حصته الاكبر منها لايجاد الارضية المادية لحالة التقسيم فيما بعد . فأن بدى ظاهريا ان قد يتنحون مؤقتا عن موضوع التقسيم العاجل للعراق عبر جغرافيته التي وضعوا لها خصوصيات مصطنعة فانهم يمضون في تقيسمه عبر قاعدته المادية وثرواته القومية الامر الذي  سيحول مسألة التقسيم الى واقع حال عبر التنازع على الثروات والاقتتال من اجلها ولا يتطلب الامر عندها اي جهد لعملية التقسيم اذا ما اريد لها ان تقر يوما ما لاسامح الله.
وعلى الشعب العراقي ان يعرف تماما ان  الأمريكان والصهاينه هم اصحاب هذا المشروع الخطير وهم المتحكمون الحقيقيون بمصير البلاد والماسكون بمقدراتها وهم من يشرفون على إعداد العملية السياسية الموهومة طبقا لما يحقق اهدافهم في عراق مرهون مستقبله بمصلحة الاميركان والصهاينة . اما هذه الدولة التي يريدون تصنيعها هي دولة وهمية فالظاهرون في الصورة هم اتباع ينفذون اهدافاً مشتركة للاميركان والصهاينة والايرانيين لذا تراهم يتنازعون اقتسام العراق باعتباره انه قد اصبح غنيمة بايدي اسيادهم الذين تصرفوا على هذا الاساس منذ اول يوم دخلت فيه دباباتهم الى بغداد ، وفق هذا المنطق يتنافس الجميع ويتمادي في مشاريعه وطلباته لتحقيق اكبر قدر من الكسب في هذه الغنيمة التي يتصورون انه قد غاب راعيها  وغفل ابناؤها عنها.
أن خطورة لعبة الدستور واهدافها ومن يقف وراءها يستوجب التحرك على كل المستويات لوأدها وحث شعبنا في عدم الانجرار وراء الخديعة التي يروج لها عملاء امريكا عبر الإغراءات واطلاق الوعود بالرفاه والغنى تارة وباللجوء الى الدين باستصدار فتاوي تحث على المشاركة في التصويت على الدستور واعتبار ذلك من واجبات المسلم  وما الى اخره من كلام النفاق والدجل الذي يطلقه مدعو الدين الاشرار تارة اخرى فهذا هو الخبث بعينه ، اذ ان من يريد الخير لشعبه وامته عليه ان لايتعلق باهداف المشاريع التي لاجذور لها الا في الهواء وستنهار حتما لان شرع الله  هو الحق وهو الباقي وما دونه زائل طال الزمن ام قصر وسوف لن تنفع المكاسب السياسية والامتيازات احداً منهم لان التاريخ قاس في سرده للاحداث وفي اطلاقه للصفات والنعوت على من يتخلى عن شعبه ويرتمي في احضان اعدائه او يستفيد على حساب آلامه. ان  الخلاص له طريق واحد فقط  هو التمسك  بالموقف المبدئي لمقاومة الاحتلال ورفض كل مشاريعه واجراءاته  ومؤسساته التي تكرس واقعه وتؤسس لتفريق الشعب العراقي على أساس طائفي أو اثني اوعن طريق تقاسم الثروات. ومن يتغافل عليه ان يدرك ان العراق ذا التاريخ العريق لايمكن تقسيمه او تغيير كيانه بجرة قلم من قبل ذوي الاحلام المريضة واسيادهم.