حرية الإعلام في مفهوم العملاء   عدد القراء : 1394   .


ضحى عبد الرحمن ....
عندما تتحدث مع احد المفتونين بالغزو الأمريكي للعراق وعن المنجزات التي حققها المحتل والحكومات العميلة التي نصبها، والمنشغلة دائما وأبدا بقضم أكبرقطعة ممكنة من الكعكة العراقية الدموية؟ فإنه سيبادرك بمنجز واحد لاغيره هو حرية التعبير.
فالعراقي حسب نظرتهم الضيقة أمسى يمتلك حرية التعبير بصورة متكاملة في حين كان يفتقدها أبان النظام الوطني السابق! وعندما تستفسر منه كيف؟ يجيبك بأنه في الوقت الحاضر يمكنك ان تسب رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة والبرلمان والوزراء دون ان يحاسبك احد لأن الدستور ضمن لك هذه الحرية في حين لم يكن لك مثل تلك الحرية في الأنظمة الوطنية السابقة. كما أن الدستور كفل لك هذه الحرية حسب المادة(38) منه، مع ثقتنا بأن المادة نفسها محفوفة بالمخاطر, لأنها تمتد بين نقطتين متباعدتين هي البراءة والإعدام، ويمكن للحكومة أن تفسرها بالطريقة التي تختارها وتتفق مع رؤيتها ومصلحتها.
يعني إن شتم رئيس الجمهورية وكبار المسؤولين في الدولة هو المعيار الرئيس لحرية الإعلام والتعبير حسب وجهة النظر الضيقة كخرم الإبرة. وهو أيضا مقياس للتقدم والنهضة والمنجز الرحماني المقدس الذي حققه المحتل وعملاؤه للعراقيين في مطلع الألفية الثالثة. وهذا يعني أن عملية قصف العراق ب(2000) طناً من اليورانيوم المنضب - تساوي أضعاف ما قصفت به هيروشيما ونيكازاكي في اليابان خلال الحرب الكونية الثانية- (يضاف لها 320 طن عام 1991). وتدمير كل مؤسسات الدولة العراقية من وزارات ومنشآت سلمية- لا علاقة لها بالأسلحة أو تجهيزات الحرب- إضافة الى قتل اكثر من مليون عراقي وتشريد اربعة ملايين آخرين داخل وخارج البلد و سرقة مئات المليارات من الدولارات وبعثرة موارده وثرواته الأساسية ،وعرض حرائر العراق في سوق النخاسة العربية والأجنبية, ووجود جيش مليوني من الأيتام والأرامل يقابله جيش عرمرم من العاطلين، وإفتقار البلد الى الخدمات الرئيسية للحياة البشرية من ماء صالح للشرب وكهرباء ووقود وخدمات صحية وتعليمية, وسرقة آثار العراق من نفائس الكنوز وتدمير ركائزه الحضارية وترويج النزعات الطائفية والعنصرية وتفتيت الوطن الى كنتونات هشة بأسم الفدرالية الحمقاء وتدخل كل دول الجوار وغير دول الجوار في شأن العراق الداخلي.
مصائبنا هذه كلها تركع بورع وخشوع لجلالة حرية الإعلام والتعبير،لأن هذه الكوارث حسب مفهوم العملاء بكفة تعادل كفة حرية التعبير التي حرموا منها كما يتبجحون، ولا نعرف كيف حرموا منها و معظمهم غرباء عن العراق وهموم شعبه ولا يربطهم بالوطن غير السلب والنهب والفساد، إغتربوا عنه منذ أكثر من عشرين عاما متجنسين بجنسيات أجنبية يفضلونها على جنسية الوطن! لاشك إنه منطق يحسدهم عليه أحمق الحمقى وأغبى الأغبياء وأغفل المغفلين، فالقاعدة العامة أن الحريات بشكل عام ومنها حرية التعبير لا يمكن أن تتنفس في أجواء ملوثة بالإحتلال والفوضى سواء أخلاقة كانت أم أفاقة. وأذا أسيء استخدامها تتحول إلى عقبة كؤود أمام طريق النهضة والتقدم. علاوة على أن الديمقراطية لا يمكن أن تحلق بجناحي الجهل والفقر, لكن هذا شأن الحماقة فقد أعيت من يداويها فتركوها لشأنها حتى تصدأ وتتآكل.
ومع هذا كما يقول المثل الدارج (إمشي مع الكذاب حتى بيته) فإننا سنمشي مع العملاء حتى بوابة المنطقة الخضراء ( منطقة الضياع) ولكننا لا نجتازها بالطبع فهي محرمة على الوطنيين والشرفاء والأخيار مثلها مثل باب جهنم لا يدخلها الصالحون والمؤمنون! لنستكشف في ظل السياق المتخم بالكذب والافتراء والمغالطات حقيقة حرية الإعلام والتعبير التي يتبجحون بها إفكا وضلالا, ونتعرف فيما إذا كان العراق المحتل فعلا يتمتع بحرية التعبير أو بمعنى أعم وأشمل بحرية الإعلام والصحافة.
نستذكر خلال المؤتمر العالمي للاتحادات والنقابات الصحفية الذي عقد في بغداد مؤخرا ردً الأمين العام للاتحاد الدولي للصحفيين على نكتة المالكي بأن العراق يكاد أن يكون أفضل دول المنطقة من ناحية حرية الصحافة بأن الغرض من عقد المؤتمر في بغداد هو للتعبير عن التضامن والدعم للصحافيين العراقيين الذين يطالبون بظروف عمل لائقة وانهاء الضغوطات التي تمارس في مجال عملهم، وكذلك لدعم مطالب الصحفيين العراقيين بتغيير وتجديد المشهد الإعلامي منتقدا موقف السياسيين غير المشروع على شبكة الإعلام العراقي.
وهذا الكلام ينسف إطروحة المالكي من أساسها بل يفني إحدى آلات الرئاسة التي أشار اليها الإمام الشافعي وهي صدق اللهجة, فبأي منطق يدلو المالكي بدلوه والعراق يعدّ أخطر ساحة عمل للصحفيين في العالم! وكيف يمكن لبلد يتبوأ مكانة أفضل دولة من ناحية حرية الصحافة وفي الوقت نفسه يتبوأ المركز الأول في عدد القتلى من رجال الصحافة والإعلام الذين تجاوز عددهم (240) قتيلا؟ وفي بلد بلغت مرتبته (158) في سلم أسوأ دول العالم في حرية الصحافة, وأختير كأفشل دولة في العالم بصحبة الأعزاء الشركاء في الهموم هاييتي والصومال.
نستذكر جميعا الدعاوى الجوفاء التي رفعها المالكي على صاحب موقع كتابات وصحيفة الغارديان البريطانية- بناء على مشورة فلاسفة وحكماء مكتبه المعروفين والمشهورين بشدة ذكائهم وطوفان عبقريتهم - والتي أثارت إستهجان وسخرية العالم بأجمعه بعد أن طالب المالكي بتعويضات مليارية مما إضطره إلى سحبها وهو يجر أذيال الخيبة والفشل. وكان المالكي قد وصف المواقع الألكترونية بشكل عام بأنهامكب نفايات بعد أن إنهالت السهام لرشقه شخصيا وكبار المسؤولين بإنتقادات حادة وكشفت الفساد المالي والإداري الذي تفشى في جميع أروقة دولة القانون وبحماية رئيس حكومة القانون للخارجين عن القانون! ولاشك ان العديد من القراء أطلع على التصرفات المشينة التي تصرفها حماية رئيس الحكومة وبقية المسؤولين تجاه رجال الصحافة والإعلام والتي عكست قمة البذاءة والدناءة في سلوكهم.
جاءت الأخبار الجديدة لتسد كل منافذ الحرية ولتزيد من عفونة الأجواء الصحفية المتعفنة أصلا, بل لتنتهك الدستور نفسه الذي كفل حرية الصحافة, عبر التصريح الذي أدلى به وزير الإتصالات فاروق عبد القادر بأن الوزارة العتيدة في الحكومة الرشيدة تدرس خطة جديدة لغلق بعض المواقع الألكترونية لأن سيادة رئيس دولة القانون لا يطربه غناء الخارجين عن سرب حكومته من مكب النفايات والمصيبة ان المالكي لا يدرك أن هذا المكب هو قرب مكتبه مباشرة ويضم كبار مسشاريه بأصولهم الأمريكية والفارسية! الوزير شرح فلسفة رئيس الوزراء بأن ما ينشر أمسى خارج حدود السيطرة! فأن كانت الحكومة جادة في بسط سيطرتها على الإعلام فعلام تتبجح بالعولمة وحرية الصحافة؟ ولماذا ألغت وزارة الإعلام السابقة ووصفتها بشتى الموبقات؟ ثم كيف يمكن التوفيق بين هذه الأجراءات والمادة(40) من الدستور التي جاء فيها بأن حرية الإتصالات والمراسلات البريدية والبرقية والهاتفية والألكترونية وغيرها مكفولة، ولا يجوز مراقبتها أو التنت عليها، أو الكشف عنها.
أما المرجع قاسم محمد مفتي عام دائرة الإتصالات فقد حدد تلك المواقع التي تدعو الى الإرهاب والعنف الطائفي وبالطبع فإن الإرهاب من وجهة نظر الحكومة العميلة وأسيادها يعني المقاومة العراقية الباسلة, أما العنف الطائفي فهنا مكب المصائب.
من المعروف ان المواقع العراقية الرسمية أوالتي تمثل الاحزاب السياسية الحاكمة معظمها تحرض على الفتنة الطائفية، وخاصة تلك التي تمولها جارة السوء إيران، فهل سيكون بمقدرة المالكي أن يغلق تلك المواقع؟ وهل يجرؤ على ذلك؟ ثم كيف سيكون موقف البرلمان ازاء هذه الخروقات والانتهاكات المستمرة للدستور التي يرفض الأكراد والائتلاف تعديلها؟ لقد وصفت النائبة ميسون الدملوجي الإجراءات الجديدة بأنها تجسد الأستهانة بعقلية المواطن العراقي والحقيقة أنها إستحقار وليست إستهانة فحسب، وأحد زملائها النواب عدّه بداية الهجمة على الإعلام.
إن جريمة الحكومة العراقية ضد الحريات الأساسية تخترق حاجز العقل بسرعة فائقة وليس من الحري إغفالها أو التغافل عنها لسبب بسيط لأنها المنجز الوحيد الذي تدعيه الحكومة المنصبة على رقاب العراقيين. من الطرائف الخاصة بحرية التعبير تلك التظاهرة السلمية التي قام بها رجال الاعلام و انطلقت من سوق المتنبي للكتب مستنكرة وضع القيود على الاعلام وحرية التعبير، ورغم ان التظاهرة كانت سلمية جدا وتمت بموافقة السلطات المختصة.
لكن الإجراءات الاستفزازية التي قامت بها ميليشيا (قيادة عمليات بغداد) مع المتظاهرين كشفت زيف حرية الإعلام التي تدعيها الحكومة وإنها تتعامل مع وسائل الإعلام كمكب نفايات فعلا كما سماها المالكي. الأطرف من كل هذا ان التظاهرة تم تجاهلها كليا من قبل نقابة الصحفيين العراقيين, ولم يقتصر التجاهل على عدم المشاركة فيها، وإنما لم يتطرق لها موقع النقابة بتاتا! وربما الصحافة ووسائل الإعلام لم تعد بعد من إهتمامات أو إختصاصات نقابة التنابلة, ومع هذا يتذمر البعض من الأخوان المنتمين للنقابة عند إنتقادها ووصفها بكلب الحكومة فهي تتبع الحكومة وتمشي على خطاها وتنبح فقط عندما تطلب منها الحكومة النباح. والأغرب ان ما يسمى بوزير شئون الأمن القومي أعطى توجيهات لقاسم عطا المكصوصي - الناطق بأسم ميليشيا عمليات بغداد- قصت أجنحته بإذن الله برفع دعوى قضائية على السيد عماد العبادي أحد منظمين التظاهرة لمطالب الأخير بإقصاء قائدي ميليشا عمليات بغداد عبود قنبر وقاسم عطا من منصبيهما, وإذا أعترض احد على تسميتنا قيادة عمليات بغداد بميليشيا عمليات بغداد فإننا سنطلعه على تصريح النائبة شذى الموسوي عسى أن تشفع لنا وهي علوية تنتسب لآل البيت الكرام، وليست من تنظيم القاعدة أو النواصب أو السلفيين أو ازلام النظام السابق، تقول الموسوي أن عمليات بغداد وجهاز مكافحة الإرهاب هما تشكيلان غير قانونيين ويعملان خارج إطار الأجهزة الأمنية الرسمية، و إذا لم يوضع لهما حدا سيتحولا الى ميليشيات بيد احد الأحزاب المتنفذة ويستخدما للتصفيات السياسية في أيام الانتخابات القادمة.
هذه هي الحرية التي يتبجح بها زنادقة الاحتلال, إنهم لم يدركوا بعد بأن الحرية مثل الطائرة الورقية لا يمكن ان تحلق عاليا اذا لم تكن خيوطها قوية، ووجود فسحة في المكان وهواء عليل يحركها، لا يدركون بأن تلك الخيوط قد تنقطع إذا شددت عليها بقبضتك فتفلت منك تتجاذبها الرياح حتى تنتكس وتتحطم.
من هذا يتضح ان المنجز الوحيد الذي يتبجح الاحتلال وأذنابه بإنجازه هو ادعاء باطل لا وجود له على الواقع الاحتلالي. لسبب بسيط وواضح وهو أن الاحتلال والحرية مفهومان متناقضان لا يمكن أن يجتمعا تحت سقف واحد.