أحجار الشطرنج تحركها يدٌ أمريكية وأخرى إيرانية   عدد القراء : 1384   .
كامل العبيدي ....
منذ أن أرسى بول بريمر الحاكم الأمريكي للعراق الجديد دعائم الحكم الديمقراطي التعددي الفدرالي التوافقي الشفاف إلى آخر قائمة الأوصاف التي منحها إياه الاحتلال، هذا الحكم المبني على نظام المحاصصة الطائفية والعرقية على الطريقة الأمريكية المطعمة بأنفاس الوصاية الإيرانية، منذ ذلك التاريخ ومسرحية ما يسمى بالعملية السياسية ماضية في طريقها والممثلون هم  الممثلون أنفسهم يقومون بأدوارهم  في هذه المسرحية على أكمل وجه،
 وان كانوا احياناً يخرجون على النص  ليلطفوا الاجواء التي ارتفعت حرارتها على خشبة المسرح العراقي الذي تصحرت ارضه بعد ان كانت يوماً ما تدعى ارض السواد لخضرتها، تصحرت بفعل ما احدثته قذائف العدوان ودبابات الاحتلال وآلياته من تخريب في تربة هذا  المسرح وبسبب هدر حقوق العراق من المياه التي  لم يعد هناك من يدافع عنها ويطالب بها الا من قبيل اسقاط الفرض، وتحول العراق الذي كان يعاب عليه يوماً ما انه بلد زراعي وان عليه ان يوازن بين الزراعة والصناعة ليكون بلداً عصرياً، تحول الى بلد لم يسمع بالزراعة منذ العصور الاولى لنشأته وبينما تجري فصول مسرحية العملية السياسية يستورد العراق الجديد كل منتج زراعي بدأً من الفجل والطمامة وكافة مكونات (الزلاطة)، ولا عجب في ذلك ولا عيب فهذه تجارة وهذا انفتاح اقتصادي، ولكن ما الذي يصدره العراق عدا النفط الذي تسرق عائداته.
لا تقلقوا فمسرحية العملية السياسية مستمرة، الممثلون أنفسهم أحجار الشطرنج نفسها تتراقص على مربعات حلبة  الشطرنج تتبادل المواقع، تحركها يدٌ امريكية ويدٌ ايرانية، وكلما انتهى فصل من فصول المسرحية، أُسدل الستار ليعاد توزيع  الادوار والممارسة عليها، وما ان يرفع الستار حتى تشاهد الوجوه نفسها وكل ما تغير فيها هو العناوين والادوار.
احجار الشطرنج نفسها كلما انتهى شوط من اشواط اللعب، اعيد توزيع الاحجار  على رقعة الشطرنج وبدأ تحريكها وفق خريطة انتشار جديدة وهذا ما يطلق عليه حسب  وجهة نظرهم (فن السياسة). او ليس اشغال الناس بهذه المسرحية وسرقة اموالهم فناً؟ مجلس نواب يجتمع وينفرط وتجري خلال انعقاده تبادل الكلمات والنكات والصراخ ثم يعود اعضاؤه (حبايب) عند  شباك امين الصندوق  الذي يد فع  رواتبهم المتواضعة التي لا تكاد تسد رمقهم، ولهذا فهم يعمدون الى السفر المستمر  ليوفروا تكاليف معيشتهم عندما يحلون ضيوفاً على من يزورونه فيكون معظمهم قد حصل على فطوره وغدائه وعشائه (بَلوشي) كما يقول العراقيون، وربما حصل على (خرجية) لا بأس بها  خلال الزيارة.
وسائل اعلام العراق الجديد تعمل وفق مبدأ الشفافية هي  الاخرى، فهي في نقاش دائم وتحليل مستمر للعملية السياسية وتطوراتها، فالنقاش والتحليل يثري العملية السياسية ويثري هذه التجربة الفريدة كما يقولون، وسائل اعلام العراق الجديد مكتظة اليوم كعادتها في كل فصل من فصول المسرحية باخبار واعلانات الكتل الجديدة التي تتشكل في هذا الفصل استعداداً لفصل المسرحية اللاحق المسمى (انتخابات) وطبعاً حرة ونزيهة وشريفة وبرعاية الاخ الاكبر (الاحتلال). ولكي لا يمل الجمهور الادوار نفسها واللافتات نفسها لابد من  تشكل جديد، هذا بالاضافة الى عمليات التزويق والمكياج لهذا المتشكل الجديد لخفاء قبحه وتجاعيده وسط  معاناة العراقيين في حياتهم اليومية التي اصبحت جحيماً لا يطاق يستلمون خلالها حصتهم من الكهرباء بمعدل ساعة واحدة كل عشر ساعات، تتشكل الكتل السياسية الواعدة، ووسط معاناة العراقيين من الارتفاع الشديد في اسعار المواد الغذائية تتشكل الكتل السياسية الجديدة العابرة -كما اسموها للطائفية والمذهبية والعرقية، ونَسيَ هؤلاء الخائضون في مستنقع سياسة الاحتلال انهم سبق ان طرحوا الشعارات نفسها في الفصول السابقة من المسرحية، وقاموا  باعادة التشكل في الفصل السابق منها فاصبح (كليب الماي وكاكا وكلنبو) بدلاً من (كاكا وكلنبو وكليب الماي) فما هو الجديد.
لا تستعجلوا ايها العراقيون فالعافية درجات والقادم ادهى وأمر، فاستبشروا خيراً بهذه الكتل المزمع الاعلان عنها  بعد اكتمال مشاورات وحوارات التشكيل وسوف ترون ان هذه الكتل ستراعي الوطنية العراقية هذه المرة، وبينما تتشكل الكتل استعداداً للفصل الجديد يلهث المواطن خلف حصة الشاي التي لم يستلمها منذ ثمانية اشهر وحصة الطحين التي لم يستلمها منذ اربعة اشهر وحصة الحليب والصابون والسكر التي لم يستلمها منذ مدة رغم دفعه لاثمانها مقدماً، وبينما تنشغل الاحزاب بالتشكل الجديد للكتل يزداد عدد العراقيين الذين يموتون بسبب تلوث مياه الشرب التي لا يحصلون عليها الا من حفر مجاري المياه الثقيلة. ومن قبيل تلطيف الجو ايضاً لا مانع ان تتحدث وسائل الاعلام عن الفساد، وهي تعلم جيداً ان هذا الحديث سواء  كان مكتوباً او مرئياً او مسموعاً انما هي لملء الفراغ في صفحات الصحف، وملء الوقت في الفضائيات والاذاعات، ولعل المواطن يجد فيه ترويحاً وتسلية وتنفيساً عن معاناته، فساد في كل مرفق وفي كل مكان فالسمكة تعفنت كما يقولون من رأسها الى ذيلها.
النائب(س) عن الحزب ص يعلن قرب اعلان الائتلاف الجديد والسيد (ص) من الحزب (س) ينفي ذلك ويؤكد ان الخلافات لا زالت موجودة بين اطراف الائتلاف وبعد ساعة يخرج النائب (م) عن الحزب (ج) على الفضائية في حوار عن اسباب تأخير اعلان هذا التكتل، كلام في كلام، هكذا يمارس سياسيو العراق الجديد لعبة الضحك على  العراقيين، وفجأة يتسابق الجميع الى نقل خبر سرقة سياسية، سرقة مصرف  الزوية، على طريقة الافلام الامريكية، ثمانية حراس في مصرف الزوية يقتلون في لحظات ويسرق مبلغ (7) مليارات دولار عراقي وربما كان المبلغ اكبر من ذلك، وتنشغل وسائل اعلام العراق الجديد بخبر السرقة ويبدأ السياسيون ومسؤولو الدولة حواراتهم المباشرة مع الصحافة والفضائيات حول الاسئلة المعتاد ة في مثل  هذا الموضوع (ماذا، ومن ولماذا وكيف ومتى واين) ثم السؤال التقليدي ما هي قراءتك لهذه السرقة؟!! ويجتهد المسؤول سياسياً كان او غير سياسي لكي تكون  اجاباته وجمله مقبولة او مرتبة على اقل تقدير لأنهم  يعلمون ان (الكذب المصفط افضل من الصدق المخربط) كما يقول المثل العراقي.
ان اغرب ما في سرقة مصرف الزوية ان احد مستشاري كبير الحكومة خرج بعد ساعتين من الحادث يتهم البعثيين بسرقة المصرف ويبرر ذلك ان هؤلاء البعثيين قد افلسوا ولم يعد لهم مصدر رزق بعد ان قطعت رواتبهم ومصادر عيشهم فذهبوا لسرقة المصرف وهم بحاجة الى المال لصرفه على قتل العراقيين.
لا تستغربوا فيبدو انه مازال هناك من بين مساكين هذا الشعب من يصدق مثل هذا الهراء. ولولا وجود مصلحة لاحد الاطراف في كشف خيوط الجريمة ضمن سباق مسرحية الانتخابات القادمة واعادة تشكيل الكتل لاستمر الكثير من المحللين والمنظرين وقارئي الكف والفنجان بجعجعتهم والقاء مسؤولية السرقة على البعثيين وازلام النظام السابق، لكن المصلحة هذه المرة دعت احد ازلام النظام الجديد الى كشف رأس (الشليلة) عندما قال ان عصابة يقودها احد ضباط حماية مسؤول كبير في الحكومة وراء سرقة المصرف ثم جاءت الحقيقة الدامغة الاخرى لتؤكد  العثور على  المبالغ المسروقة في موقع جريدة الحزب السياسي لهذا المسؤول.
وهنا بدأت مرحلة  جديدة من التخبط وضرب الاخماس بالاسداس للتوصل  الى معرفة هذا  المسؤول الكبير. من المؤكد ان احد اهداف هذا الذي يجري وان كان دامياً وان كان فيه ازهاق للارواح ونهب للمتلكات والاموال فان اهدافه هو اشغال الشعب العراقي عن همومه ومعاناته ومآسيه التي صنعها الاحتلال واعوانه.
وسرعان ما سارع عدد من شركاء هذا المسؤول  للتصدي للخبر فيبرؤون ساحة زميلهم ويؤكدون ان الهدف من نشر هذا الخبر النيل من سمعته وسمعة كتلته في هذه المرحلة المهمة من مراحل الصراع على الكراسي والمكاسب.
وبما ان هؤلاء جميعاً هم شركاء في الانتماء وشركاء في المكاسب حتى وان اختلفوا على الغنائم في هذه المرحلة فلابد من تخريج لهذه الفضيحة خاصة وان  معظمهم اسلاميون وسادة بعيدون جداً عن السرقة والحرام كما يعرف ذلك عنهم الشعب العراقي.. راحوا يبحثون عن خبر مهما كان تافها ومزوراً وسخيفاً علهم يحرفوا انظار الشعب  العراقي ولو لساعات عن فضيحة سرقة مصرف الزوية التي هرب المسؤولون المباشرون عنها الى جهة مجهولة (ومعروفة) في آن واحد فعادوا يعتاشون على اشلاء المغدورة المسكينة (اطوار بهجت) ولم يجدوا من يرمون عليه تهمة جريمة قتلها بعد ان اذاعوا مرات عديدة خبر القاء القبض على قاتليها ولا نعلم اين ذهب  هؤلاء، حتى جاء الوقت ليرموا التهمة بعد ان جلبوا من املوا عليه ما يريدون على من لا يصلون الى نظافة تراب حذائه، فهل يعتقد هؤلاء  المغفلون ان احداً يمكن ان يصدق هذيانهم ومساسهم بفضيلة الشيخ حارث الضاري، لقد كان بامكانهم ان يسلكوا طريقاٌ آخر فيقوموا بسرقة مصرف آخر ليغطوا على فضيحة المصرف الاول.
هكذا هي الشفافية وهذه هي دولة القانون. سُئل احدهم كيف اخترتم فلاناً ناطقاً باسم الجهة الفلانية فقال (كنا نعرفه منذ كنا في المرحلة الابتدائية كنا نسميه فلان الكذاب، فلم نجد افضل منه لهذه المهمة ولهذه المرحلة بالذات).
هذه المرحلة التي تحرك اليد الامريكية واليد الايرانية احجار الشطرنج نفسها على الساحة العراقية، لكن المقاومة العراقية تبقى وحدها دائماً خارج اللعبة.