لغة القرآن    عدد القراء : 709   .
ليث سلمان الآلوسي
(وَبَشِّرِ الَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَـذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)
اللغة:
1-بشرّ: البشارة هي الاخبار بما يسر المخبر به اذا كان سابقا لكل خبر سواه لان الثاني لا يسمى بشارة.
فلو قال رجل لعبيده: أيكم بشرّني بقدوم فلان فهو حر فبشروه فرادى عتق اولهم فحسب دون الباقين.
ومنه البشرة اي ظاهر الجلد، وتباشير الصبح ما ظهر من اوائل ضوئه.
واما قوله(فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ)فمن العكس في الكلام الذي يقصد به الاستهزاء الزائد في غيظ المستهزء به وتألمه واغتمامه كما يقول الرجل لعدوه: ابشر بقتل ذريتك ونهب مالك.
والقول(فمن العكس في الكلام) اي من قبيل استعارة احد الضدين للاخر تهكما واستهزاءً.
فاذا قيل من المأمور بقوله(وبشّر)قلنا: يجوز ان يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم او ان يكون كل واحد كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (بشّر المشائين الى المساجد في الظلم بالنور التام يوم القيامة).
لم يأمر بذلك واحد بعينه وانما كل احد مأمور به، وهذا الوجه يقول عنه الزمخشري هو احسن واجزل وذلك لانه يؤذن بان الامر لعظمه وفخامة شأنه حقيق بان يبشر كل من قدر على البشارة به.
فاذا قيل علام عطف هذا الامر بواو العطف ولم يسبق امر او نهي يصح العطف عليه؟ اي علام عطف؟
قلنا ليس الذي اعتمد بالعطف هو الامر حتى يطلب كل من امر او نهى بعطف عليه، انما المعتمد بالعطف هو جملة وصف المؤمنين وثوابهم وهي معطوفة على جملة وصف عقاب الكافرين مثل قولك:
زيد يعاقب بالقيد والارهاق وبشر عمرا بالعفو والاطلاق.
وقرأ زيد بن علي رضي الله عنه وبشر ...وعلى لفظ المبني للمفعول عطفا على (أعدت).
2-عطف لفظ(وعملوا الصالحات) على(الذين آمنوا)وذاك شرط هذا اذ ان الايمان  لوحده لا يدخل صاحبه الجنة حتى يقترن ايمان بعمل صالح.
واللام في( الصالحات)لام الجنس اي كل ما استقام من الاعمال بدليل العقل والكتاب والسنة.
3-الجنة البستان من النخل والشجر المتكاثف المظلل بالتفاف اغصانه وهي بمعنى الستر وكانها لتكاثفها وتظليلها سميت بالجنة التي هي المرة من مصدر جنة اذا ستره كانها سترة واحدة لفرط التفافها وسميت دار الثواب جنة لما فيها من الجنان.
4-النهر: المجرى الواسع فوق الجدول ودون البحر واللغة العالية على قول الزمخشري للنهر(بفتح الهاء).
5-كلما رزقوا منها من ثمرة رزقاً.
أما ان يكون صفة ثانية للجنات
او خبر مبتدأ محذوف
او جملة مستأنفة.
6-قوله(هَـذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ).
معناه هذا مثل الذي رزقناه من قبل وشبهه.
ودليل هذا قوله(وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً)فان قيل إلام يرجع الضمير في قوله(بِهِ مُتَشَابِهاً)قلنا يعود الى المرزوق في الدنيا والاخرة جميعا.
فاذا قيل لاي غرض يتشابه ثمر الدنيا والجنة، وما بال ثمر الجنة لم يكن اجناسا اخر؟ قلنا لان الانسان يأنس بالمألوف ويميل الى المعهود فاذا رأى مالم يألفه نفر عنه طبعه وعافته نفسه.
كما يجوز أن يرجع الضمير في (أتوا به)الى الرزق في الجنة.
7-المراد بـ(ازواج مطهرة)ان طهرن مما يختص بالنساء من الحيض والاستحاضة وما لا يختص بهن من الاقذار والادناس ويجوز ان يدخل تحته الطهر من دنس الطباع وطبع الاخلاق فاذا قيل: فهلا جاءت الصفة مجموعة كما جمع الموصوف؟
قلنا هما لغتان فصيحتان يقال النساء فعلن فاعلات والنساء فعلن وهي فاعلة
ومنه قول الشاعر في الحماسة:
واذا العذارى بالدخان تقنعت
فاذا قيل قد عرفنا جواز افراد وجمع(المؤنث فلماذا لم يقل ازواج طاهرة وقال مطهرة؟
نقول: في لفظ(مطهّرة)فخامة ورقي لصفتهن ليست مثلها في طاهرة كذلك الاشعار ان مطهرا قد طهرن وهو الله تعالى وذلك ابلغ في وصف طهر الازواج ويقين طهرن اوضح.
8-خالدون-الخلد الثبات الدائم والبقاء اللازم الذي لاينقطع قال تعالى(وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ)
البلاغة:
1-المجاز المرسل في قوله(تجري من تحتها الانهار)والعلاقة المحلية هذا اذا كان النهر مجرى الماء كما قال بعض اهل اللغة...وفيه اي في النهر لغتان فتح الهاء وسكونها.
2-التشبيه البليغ في قوله(هذا الذي رزقنا من قبل)وسمي بليغا لحذف اداة التشبيه فيه فتساوى طرفا التشبيه.
فائدة:
1-قد يحذف الجار سماعا فينتصب المجرور بعد حذفه تشبيها له بالمفعول به ومنه قول جرير:
      تمرون الديار ولم تعوجوا
                              كلامكم علي اذا حرام
اي: تمرون بالديار
ويقاس سقوط حرف قبل ان المشبهة بالفعل مفتوحة الهمزة.
2-يجوز في جمع التكسير الدال على العاقل وصفه ايضا بالمفرد المؤنث ويجوز وصفه بالجمع وهو (ازواج مطهرة).