| من قصص الأحرار الباذلين   عدد القراء : 1162   . تحتضن أبو غريب البطلة، فلوجة بغداد، الكثير من قصص الجهاد الاستثنائية المشرقة، ولكن بطلنا المجاهد (ب) الذي نقدمه شهيداً هنا، كان قد قرر هو في لحظة القتال أن تكون له سيرة متميزة عن أقرانه في العملية القتالية التي خاضوها ضد رتل من الناقلات الامريكية، فقد حققت العملية أهدافها وتم تدمير واصابة أربع ناقلات وقتل وجرح عدد من عسكر الاحتلال، ولكن البطل رفض الانسحاب من الميدان قائلاً لرفاقه، سأبقى أقاتل من تبقى من القافلة، أشعر ان اليوم يومي!. كان مدججاً بالاسلحة كعادته في كل عملية قتالية يخرج اليها أو يخوضها، اذ يضع قاذفة الـ RBG والرشاشة على كتفيه ويحمل المسدس بيده والرمانات اليدوية على خصره، وقد تجهز ذات مرة بحزام ناسف، أي انه كتلة متحركة من النيران والبارود لوحده، وهكذا حين لبث في مكان ما وراء سياج المدرسة (التميمية) واختار الموضع الذي ألهمه ربه سبحانه البدء من حافته لتسجيل استشهاده تلك الليلة، فكان أن اخذ يمطر جموع الاحتلال بوابل من النيران لم يكونوا مستعدين لمواجهتها وكانوا منشغلين بالاصابات التي لحقت بهم جراء العملية، حتى انهم تصوروا انهم أمام أكثر من مقاتل على الطرف الآخر، فاستعانوا بقوة اضافية من الدوريات القريبة، وأخذوا يردون عليه حتى بالقذائف الثقيلة. كان ينتقل من مكان الى آخر وهو يقاتلهم بخفة حركة لا توصف ولم يكن هو نفسه أو متابعيه عن بعد من رفاقه وأهله، يدركون من أين اتاه كل هذا الزخم الحيوي من التوثب والمناورة والدقة في اصابة اعدائه في وقت واحد، حتى ان بعض جنود الاحتلال المواجهين لموضعه كانوا يتخيلونه قافزاً في الهواء كالشبح الخاطف الذي يرمي ثم يختفي، وهكذا ولهذا فقد تعرض بسبب حركاته الاعجازية هذه الى أكثر من اصابة وظل يقاتل بالبطولة نفسها والمهارة نفسها، واعداؤه لا يعرفون انه كان مصاباً في رجله أول الامر، ثم في فخذه، ثم بطنه، ثم ذراعيه، وكان كتلة من الدماء تصوب في الظلام أكثر من فوهة نار نحو جيش باكمله، حتى لم تعد انفاسه تحتمل المزيد بعد أكثر من ست ساعات من القتال المتواصل، وتوقفت اصبعه على الزناد، وانتقل الى لقاء ملهمه وخالقه، عز وجل، فقد أرادها واختارها وذهب الى استحقاقها، لحظة البطولة الخاصة به. لقد سكت مصدر نيران البطل، ولكن اعداءه لم يكونوا يملكون الجرأة للاقراب من موضعه للتحقق من موته، فقد خيل اليهم انه يمكن ان يهب لهم من السكون وينفجر في وجوههم في أية لحظة، فانطلقوا بآلياتهم نحوه وبأقصى ما يستطيعون من كثافة النار نحو المكان الذي يفترض ان تكون جثته فيه، ثم تقدمت دبابة وداست هذا المكان وهي تدور فوقه وآنذاك تأكدوا من خلاصهم منه، ولكن ليس من امثاله وأقرانه السائرين على دربه، فيا لمجده، ويا لعارهم!. كان بطلنا ابن الاربع وعشرين عاماً محبوباً في محلته العسس، وكانت خطيبته (محسودة) عليه، لكنها حين ظهر بعد استشهاده وتشييعه ان معظم بنات المحلة كن يذرفن الدموع لأجله، قالت: هذا يسعدني، هن محقات، وهو يستحق، وها قد حصل على ما هو أحسن مني ومنهن، ليتقبله الله!. |