تهافت المتهافتين..   عدد القراء : 1373   .
ممن نزع العمامة
ولأجل السلطةِ باعَ الدين
روج الانتهازيون لأنفسهم بعض الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي جعلوا منها مبررات لخوض غمار عالم الكذبِ والدجل عبر شعاراتٍ وهتافاتٍ ما أشبعت بطن جائعٍ مسكين وما كفكفت دمعة يتيم، فسرقوا ونهبوا واختلسوا الأموال التي هم قائمون عليها، واستخدموها لشراء الأصوات ودعم حملاتهم الانتخابية ليتاجروا بها في سوق بيع الذمم وخلع تيجان الكرامةِ والكبرياء...
وقاص الرفاعي
حددت الحكومة الحالية يوم السادس عشر من شهر كانون الثاني القادم موعداً لبدء صفحة جديدة من مهازل العهد الجديد والمتمثلة بإجراء ما يسمى بالانتخابات البرلمانية، واللافت للنظر هو الحركة المحمومة واللهاث المقزز من قِبل المرشحين القدامى منهم والجدد والواضح للعيان سعياً خلف تنظيم الصفوف لضمان جمعِ أكبرِ عدد ممكن من أصواتٍ بعض المغفلين، فبالرغم من ثبوت وبما لا يقبل الشك حقيقة فشل العملية السياسية منذ احتلال العراق وحتى اليوم.
فما زلنا نرى عدداً كبيراً من المزمرين والمنتفعين وهم يُطبلون للحكومة ومسيرتها التي لم ينتج عنها إلا المزيد من المآسي والقرب من حافة الهاوية، أما الأغلبية فما زالت تراقب الوضع من بعيد وتلتزم الصمت وهو موقفٌ سلبي وغير عملي بتاتاً، فالكتل والأحزاب السياسية التي غزت العراق مع المحتل بأسم النضال والمظلومية مُصرة على تنفيذ أجنداتها الخاصة واللاوطنية على حساب البلاد والعباد.
والدليل هو الكشف عن آلاف الفضائح وملفات الفساد المرتبطة بعمل تلك الأحزاب والكتل عبر ممثليها ووزرائها ضمن تشكيلات الحكومة الحالية، والأدهى من هذا كله هو استمرار إصرار بعض الأحزاب على ارتداء ثوب الدين واتخاذهِ كغطاء ووسيلة لجمع الناس من حولهم عبر التلاعب بالمقاسات والتشريعات لهذا الرداء وبما يتلاءم مع الظرف الزماني والمكاني، فلم تعد للكفاءة والخبرة محلاً ضمن قائمة شروط الترشيح لتولي مناصب سياسية ملزمة بإدارة الدولة وتحسين الأوضاع المعاشية وإيجاد الحلول الجذرية للمشاكل والكوارث التي تعصف بالبلاد، بل على العكس، فقد بات مقدار الولاء وفن تحريك الذيل ذلاً أمام أمريكا وحاخامات إيران هو المقياس الذي يؤهل هذا وذاك للقبول بدرجة امتياز مع الحصول على لقبٍ تشريفي يليق وحجم العمل المنفذ أو الجاري تنفيذه والذي سيضمن تمكين أمريكا من تحقيق حلمها في المنطقة زيادة نفوذ إيران داخل العراق.
واستذكر ها هنا احد الشخوص التي أتعفف عن ذكر اسمها ضمن مقالتي للحفاظ على نظافتها ورونقها، وهذهِ الشخصية قد حصلت على لقب شيخ المجاهدين من حكماء طهران بعد أن شاركت في ضرب هيئة إسلامية وسياسية تناضل من اجل تحرير البلاد ووضع العراق على طريق الإصلاح والبناء بعد ما أصابه من دمار على كل الأصعدة.
وها نحن اليوم ومع اقتراب موعد الانتخابات المزعومة، فان صور الشخوص التي رافقتنا طوال السنين الست الماضية ومع كل ما تحمله معها من ذكريات مؤلمة كانت وما زالت فعالة بأبشع صورها، ها هي تعود اليوم وقد جمعت عدتها وعددها وتداخلت فيما بينها بتكتلاتٍ وائتلافاتٍ جديدة لا هم لها سوى الفوز وتبوء السلطة، وكثيرٌ منهم كان وحتى وقتٍ قريب يقفون من على المنابرِ في المساجد ليعظوا الناس ويفقهوهم في الدين وأصول الشريعة ومتطلبات ولوازم ضمان المرء لرضا الله عنهُ، فضربوا كل هذا عرض الحائط وخاضوا مع الخائضين بحجة وجوب الدخول باللعبة السياسية وعدم ترك الفراغ ليملأ من جهات أخرى.
فروج هؤلاء الأنتهازيون لأنفسهم بعض الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي جعلوا منها مبررات لخوض غمار عالم الكذبِ والدجل عَبرَ شعاراتٍ وهتافاتٍ ما أشبعت بطن جائعٍ مسكين وما كفكفت دمعة يتيم، فسرقوا ونهبوا واختلسوا من الأموال التي هم قائمون عليها، واستخدموها لشراء الأصوات ودعم حملاتهم الانتخابية ليتاجروا بها في سوق بيع الذمم وخلع تيجان الكرامةِ والكبرياء، والمضحك في الأمر هو أدعاؤهم في خطاباتهم بأنهم لا يطمعون في سلطةٍ أو جاه، وإنهم قد نذروا أنفسهم لخدمةِ الوطن، ثم يسترسلون في سرد ما سينجزونهُ حال فوزهم في الانتخابات القادمة، في حين أنهم مشاركون أساساً في العملية السياسية وأصحاب مناصب سيادية ووزارية، ومع هذا فلم يقدموا شيئاً لا للوطن ولا لشعب هذا الوطن، بل إنهم تسببوا في تسريع عجلة الدمار والهلاك عبر سرقاتهم واختلاساتهم وتهريبهم وتبديدهم للأموال، فما الجديد الذي سيحدثونه في حال فوزهم بدورةٍ أنتخابيةٍ أخرى سوى زيادة أرصدتهم وممتلكاتهم في الداخل والخارج، فهل سيفوز المالكي بالانتخابات بعد أن زار مقابر قتلى الأمريكان ووضع باقات الورود على أضرحتهم فاستهزأ بكل أطياف الشعب العراقي واستهان بدماء مليون ونصف مليون عراقي وضرب بعرض الحائط شرف العراقيات اللواتي اغتصبن على أيدي هؤلاء الحثالات والمرتزقة، هل سيفوز عبد العزيز الحكيم الذي اختار الإقامة في إيران ليدير شؤون حزبه وتيارهِ السياسي من هناك ويطلق التهديدات والتحذيرات الشوفينية للقوى والمعارضة الوطنية، هل سيفوز احمد عبد الغفور الذي ينفق يوميا ملايين الدولارات من أموال المسلمين لشراء الذمم والأصوات لانتخاب قائمتهِ السياسية الجديدة، هل سيفوز طارق الهاشمي الذي مرر الدستور الكارثي وشرعن حكومة طائفية مقيتة بعد أن كمم أفواه الأمم بحجة مشاركة ومباركة كل أطياف الشعب العراقي لحكومات الاحتلال المتعاقبة، هل سيفوز احمد أبو ريشة بعد أن أطلق أتباعهِ وأزلامهِ ليتسلطوا وبكل وقاحة على رقاب المواطنين والمستضعفين في الانبار بقوة السلاح، هل ستفوز قوائم الأحزاب الكردية النازية بعد أصبحت قاب قوسين آو أدنى من إعلان الانفصال.
وغير هؤلاء كثير وكلهم متشابهون من حيث القالب والمضمون، وحول فلك أمريكا وإيران هم سائرون، أين هي الشروط والضوابط الواجب توافرها في كل مرشح يقدم نفسه للعمل السياسي، هل يمتلك الكفاءة ؟ هل يمتلك النزاهة والشفافية؟ وما هو برنامجهُ السياسي وأيدلوجيته الفكرية إزاء ما يمر به البلد من أزمات؟ ما هي سيرته الذاتية ؟ وهل هي حسنة أم يشوبها بعض الشك والريبة من ماضٍ تتخلله صفحات سوداء من حيث اتصافهِ بالانتهازية والنفاق السياسي والديني وتمسحهِ بأبوابِ السلاطين في كلِ عهدٍ وحين وما أكثرهم اليوم.
وعلى الحكومة الحالية أن تتعلم درساً مفادهُ أن العبرة ليست في إجراء الانتخابات واستعراض جموعٍ من البشر ممن غرر بهم للمشاركةِ فيها سواء أناخبٍاً كان أو مُنتخباً، ولكن العبرة في المحصلة والنتائج وما قدمهُ هذا المرشح وذاك الفائز من منجزاتٍ وطنية بعيدة عن المحاصصة والطائفية، وحتى الآن لا نرى أي مؤشرات خيرٍ تدل على وجود تطورٍ وقفزةٍ نحوا اعتمادٍ أسسٍ صحيحة تكفل بناء الجسور ما بين المُنتخبين وبين جموع المواطنين الذين يئسوا وملوا من لعبة الكر والفر الوعود الخاوية والعهود والأحلام الكاذبة.
وستبقى النتائج معروفة مسبقاً لهذهِ الانتخابات وغيرها لكون الوجوه هي نفسها والتكتلات والأحزاب لا جديد فيها، والفشل هو العنوان الأبرز لكل هؤلاء.
ونختتم قولنا هذا بإيراد ابياتٍ نثرية ووصفية لأحد صور مهازل ما يسمى بالانتخابات وهي للأديب بن عيسى احسينات وهي كالآتي: الانتخابات آتية كالمعتاد.. كفى من عبث الانتخابات.. كفى وهم الاستحقاقات.. لقد مل المواطنون لغة التسويفات.. وضجر من أساليب المناسبات.. ونال منهم الذل والاحتقار أوج التضحيات.. كفى صراعات.. كفا احتقانات.. لقد مل الناخب من الانتخابات.. كفى الضحك على ذقون المستضعفين والمستضعفات.