المقاومة العراقية وقيادات المعارضة ... بين نضال الداخل والخارج   عدد القراء : 1382   . وقاص الرفاعي
على مر التأريخ ومن خلال تجارب قوى التحرر في كل بلدان العالم التي تعرضت للغزو والاحتلال , فقد تزامن فيها العمل العسكري مع العمل السياسي كأدواتٍ للمقاومة والنضال , ولم يُسجل التاريخ أن نجحت وفلحت قوةٌ ما تعرض بلدُها للاحتلال في أنها اتخذت وأستعانت بالعمل العسكري منفرداً كأداةٍ للتحرر دون دعم سياسي , أو أنها اعتمدت النضال السياسي كوسيلة للتحرر دون اسنادٍ من جناحٍ عسكري لها , وأما ما يسمى بالنضال السلمي المجرد من السلاح والذي تحاول بعض الجهات الانبطاحية والانتهازية في الترويج له على الساحة العراقية , فهو مضيعةُ للوقت وهدنة وتمكينٌ للمحتل , ولا يمكن أبداً اعتماد هذا الأسلوب وتطبيقه على ارض الواقع في العراق اليوم لأسبابٍ عدة ومنها أن الحدث قد وقع والقوة المعادية قد احتلت البلد واجتاحت أراضيه , وهي ليست واقفةً عند أطراف حدود دولتنا آو أنها ما زالت على أراضيها ولكنها تهدد وتتوعد بالغزو كي يكون عندها من الحنكة والفطنة اعتماد وسيلة النضال السلمي والدبلوماسي للدخول مع تلك القوة في حوارات ونقاشات يمكن من خلالها تجنب البلاد شر القتال ووبالُ نارها على الناس , والأدهى من هذا كله أن الغازي الأمريكي نفسه يعترف بأنه جاء محتلاً للعراق وما زال , والدليل هو بقاء العراق تحت طائلة البند السابع حتى هذهِ اللحظة , ولو تجاهلنا كل ما تقدم ونظرنا لطبيعة وسايكلوجية القوة التي غزتنا واحتلت بلادنا لرأينا جيشاً وإدارةً لا يملكون من أخلاق الفرسانِ شيئاً ولا يتحلون بصفاتٍ تؤهلهم ليكونوا خصوماً سياسيين يحترمون الوعود ويمكن محاورتهم والجلوسِ معهم على طاولةٍ واحدة للتباحث في السبل الكفيلة لإنهاء الوضع الحالي , فهذه القوة الطاغية لم تترك أسلوباً بشعاً إلا واستخدمته مع العراقيين , ولم تتردد لحظة في تجربة ما لديها ضمن ترسانتها العسكرية من أسلحةٍ صنعت حديثاً لتجربها على أجساد العراقيين ولترى مدى فاعليتها , فأحرقت النسل والحرث وأبادت قرى وعوائل عن بكرة أبيها , واغتصبت الرجال والنساء والأطفال والشيوخ على السواء ممن وقع في أسرها ليرزح داخل زنزانات معتقلاتها , وتعرضت لدين الشعب ومقدساته بالتنكيل والاهانةِ والاستهزاء , فكان حق مقاومة هذا العدوان واجبٌ شرعي وقانوني وأخلاقي , ولا مبرر آو حجة لأي شخصية دينية كانت او سياسية بان تروج بعد هذا بعدم جواز مقاومة الاحتلال بكل السبل المتاحة.
ومن هذا انسلخ البعض عن انتمائهم وخان الأمانة حين استغلوا الدين وجهل بعض شرائح المجتمع حين وصفوا قوات الاحتلال الأمريكي بأنها قواتٌ مُستأمنه ولا يجوز قتالها , والحقيقة أن الأمر كُله كان عبارة عن مؤامرة كبيرة تحاك خلف الكواليس ضمن مخطط (أفد واستفِد) وتبادل للمصالح المشتركة المتلاقية على ارض الرافدين , وكان من إفرازاتها هو التآمر على المقاومة العراقية والتشكيك بمفهومها وأيدلوجيتها , وإطفاء جذوة الروح الثورية الوطنية الكامنة في نفوس أبناء الشعب عَبر تشويه صورة المقاومة وقياداتها وأي قوة وطنية أخرى تناهض المحتل وأعوانه , فنثرت بذور الشك والفتنه وجعلت الكثيرين في حيرة من أمرهم لأخذ موقف صريح وقطعي مما يجري , ومن الوسائل التي اتبعها الاحتلال والحكومة الحالية لصرف أنظار الشعب عن خيار المقاومة هو تسقيط الشخصيات التي تبنت هذا الطريق ونذرت نفسها له , ففرض الحصار وضُيق الخناق على هذهِ الشخصيات عَبر ترهيبها وتهديدها ومحاولة اغتيالها ومداهمة منازلها وأماكن عملها ودفع الإعلام الحكومي للتصعيد ضدها والتشهير بها عبر عرض الأكاذيب والوثائق المزيفة , فاضطر الكثير منهم للنزوح خارج البلاد ليمارسوا عملهم النضالي من هناك.
وهذا ما جرى للشيخ حارث الضاري الأمين العام لهيئة علماء المسلمين والذي أصدرت الحكومة الحالية بحقه مذكرة اعتقال لا مبرر قانوني لها ولا شرعية , والتضييق نفسه تعرض له الشيخ المؤيد والشيخ الخالصي وغيرهم كثير سواءً من أصحاب التيارات الإسلامية والعروبيةِ أو الشخصيات ذاتُ الميول القومية والليبرالية.
ومع هذا لم تكف الحكومة الحالية عن غيها واستمرت في سعيها لتسقيط شعبية القوى الوطنية , فكانت تستغل كل محفل ومناسبة في التهجم والعويل على أن من يدعون المقاومة قد اختاروا السكن خارج البلاد وتركوا الشعب يلاقي الويلات , وفي الوقت نفسه بدأت الحكومة الحالية بالترويج على أنها فاتحةُ اذرعها لاستقبال كل القوى الأخرى غير المشاركة في العملية السياسية وان الأرضية اليوم متاحة للعمل الوطني المعارض المؤسساتي وبدون ملاحقة أو حساب كما تدعي , وهي أكاذيب لا تنطلي إلا على الحمقى أو من يرغب بتصديقها , فالاغتيالات والتصفيات الجسدية ما زالت مستمرة على قدمٍ وساق , وتورط أصابع الحكومة فيها واضح للعيان , ولم يسلم من هذا حتى المشاركون في العملية السياسية الحالية ممن حاولوا أن يثوروا على الواقع المزري للحكومة الطائفية والفاسدة , فتمت تصفية العديد منهم ولوحق آخرون بتهم باطلة وملفقة , كما جرى لرئيس ما يسمى بهيئة النزاهة أو حين تم اغتيال الشيخ حارث العبيدي وما جرى أيضاً لمحمد الدايني وحالياً الساعدي والذي يتعرض لتهديدات مستمرة على أثر فتحه لملفات الفساد لبعض وزراء المالكي , والقائمة تطول وهي مفتوحة ولن تغلق في ظل الحكم الاستبدادي الحالي.
وفيما يخص لجوء بعض القوى والشخصيات الوطنية للنزوح خارج البلاد فهو ليس بنقيصة في حقهم , فالرسول الأعظم محمد عليه الصلاة والسلام هاجر وأصحابهِ إلى المدينة المنورة تاركاً مكة المكرمة بعد أن أشتد عليهم اذى المشركين, وتعرضت حياته وصحبه للخطر والموت , مما شعر بضرورة ترك مكة حفاظاً وحرصاً على وجوب إكمال الرسالة التي حملها إياه رب العرش العظيم.
وما يروج له أيضاً من أن الأجواء السياسية اليوم باتت ناضجة المعالم من حيث الديمقراطية والانفتاح فهو النفاق بعينه , لكون الأمر لا يعدو أكثر من خديعة وكمين لجذب من تنطلي عليه الكذبة سواءً بالترهيب آو الترغيب ليتم بعدها احتواؤه إما بالمال أو السلطة أو حفرة عرضها مترٌ وعمقها أربعُة أمتار , ويكفينا الاستدلال على حقيقة هذه الكذبة عَبر النظر لما تعانيه السلطة الرابعة اليوم في العراق والتي تعد مقياساً حضاريا لحجم ومقدار الحرية التي تتمتع بها هذه الدول أو تلك , فالسلطة الرابعة اليوم تم تكبيل يديها وتكميم فمها بقيود قانونية حديدية وغير مبررة عبر إصدار قانون يُوجب ويُلزم أي مؤسسة إعلامية اخذ الأذن المسبق من مكتب عمليات بغداد قبل أي عمل صحفي تنوي القيام به وتنفيذه , فهل هذا الأمر يوحي بوجود أجواءٍ ديمقراطية وفسحة من العمل كما يدعون , وهل الصراخ والعويل المنطلق من أفواه بعض القوى المشاركة بالحكومة الحالية والمتضمنة عبارات سبٍ وشتمٍ لقوات الاحتلال يمكن أن نعدها مقاومة وأنهم يستحقون أنواط شجاعة على أدائهم الفني هذا , فلو كان السب والشتم فعال ومجدياً ومؤثراً لخرجت قوات الاحتلال من العراق منذ الشهر الأول , علماً أن أمريكا واستخباراتها هي من روجت لهذه الثقافة وقد تم تنفيذها عملياً من قبل أبطال وفناني المنطقة الخضراء ليوحوا للعالم بان العراقيين يتمتعون بأجواءٍ من الحرية والشفافية , وعليه ومما تقدم ولكون الأجنبي ما زالَ محتلٌ لارض العراق ويهدد حياة أبناء هذا البلد , فلا خيار سوى خيار المقاومة المسلحة والمدعومةِ سياسياً من أبطالٍ هم في الداخل والخارج وكلٌ من موقعه حتى يأذن الله وتفتح البلاد من جديد لفجرٍ مشرقٍ وضاء.