| الانسحاب الأمريكي من المدن .. خطوة إلى الأمام أم الخلف ؟   عدد القراء : 1339   . وقاص الرفاعي مضى الثلاثون من حزيران كغيره من أيام الست سنوات المنصرمة , لا جديد فيه سوى نكتة عنوانها انسحاب القوات الأمريكية من المدن , لتضيف بعض الفكاهة على واقع الحياة الأليمة التي يعيشها العراقيون , فمسلسل الاحزان والفقر والبطالة والجوع والقتل وانعدام الكهرباء والماء وابسط الخدمات وغيرها من الأمور ما زالت مستمرة إن لم تكن وتيرتها في تصاعد , حتى بات كل يوم جديد هو أسوأ من الذي قبله , آما الحكومة الحالية ورموزها المشاركة فيها , فان لعاب جشعهم وطمعهم أصبح يسيل بشكلٍ اكبر بعد الانسحاب الأمريكي باتجاه قواعدهم , فهم يرون بالانسحاب هذا قد توافرت لهم فرصاً اكبر للعمل الميداني وأعطاهم فسحة للتحرك والمراوغة والتنقل وليّ الأذرع والابتزاز المتبادل والى أخره من فنون الإجرام الدولي الذي اكتسبوا خبراته عبر تواجدهم وإقامتهم من قبل في أزقة وأحياء الهجانه والمافيات وعصابات السلب والنهب هناك , لهذا نراهم قد زمروا وطبلوا ورقصوا على إيقاعات صوت سرف الدبابات الأمريكية فرحاً وأبتهاجاً لهذا الانسحاب الشكلي , وحاول بعضهم أن يصنع لنفسه مجداً وهالة على كون هذا الانسحاب هو احد منجزات الحكومة الحالية , وانه قد جاء على اثر الحنكة السياسية التي تتمتع بها هذه الحكومة , فسعوا إلى مصادرة منجز تحقق أساساً نتيجة الضربات الموجعة التي تكبدتها قوات الاحتلال على أيدي المقاومة العراقية الوطنية والإسلامية , فإدارة أمريكا تحاول اليوم أن تلملم جراحها وان تكسب لنفسها حيناً من الوقت كمحطة استراحة وهدنة من طرف واحد , لتجمع خلالها شتاتها وتلتقط أنفاسها لتخرج من حالة التخبط وتعالج الدمار النفسي الذي لحق بها أدارةً وشعباً وجيشاً , وان تحفظ لنفسها ماء وجهها وأسطورة وجودها بين الأمم التي مرغت بالتراب على ارض العراق , وبدلاً من القيام بعمل يزيل الآثار النفسية السيئة والكوابيس التي لاحقت أمريكا طوال عقود مضت أثر هزيمتها في فيتنام , فقد تسببت لنفسها بجرحٍ جديد بغزوها العراق , ولا بوادر حسنة في الأفق على انه سيلتئم , والدليل هو ارتفاع نسب الانتحار بين صفوف جنود جيش أمريكا العرمرم , وأضعاف هذا العدد من الفارين بالالتحاق بصفوف الخدمة العسكرية , آما الانهيار الاقتصادي فحدث ولا حرج , فلقد تم تمويل حرب العراق كلياً اعتمادًا على نظام الائتمان أي (الدين)؛ ويُعزى جزئيًا إلى ذلك زيادة الدين القومي للولايات المتحدة بمعدل الثلثين في غضون ثماني سنوات فقط مما تسبب بتراجع كارثي للميزانية وزيادة نسبة البطالة لأكثر من عشرين بالمائة وهي مؤشرات خطيرة تدل على بداية النهاية لهذهِ الإمبراطورية التي لطالما تسببت بالهرج والمرج في أكثر من موقع ضمن خريطة العالم منذ بدايات القرن العشرين وحتى اليوم , فأمريكا اليوم تحصد ما زرعته بالأمس , وما تعاني منه اليوم جاء نتيجة قرارات خاطئة اتخذها متهورون اعتلوا سده الحكم في البيت الأبيض اعتماداً على حجم المبالغ الطائلة التي أنفقوها على حملاتهم الانتخابية , فتسببوا تباعاً في دفع أمريكا نحو الهاوية وتسريع سقوطها كإمبراطوريه , وفيما يخص احتلال العراق فها هو بوش اعترف مؤخراً بعدم صحة المعلومات الاستخباراتية التي وردت آلية والتي اعتمدها لغزو العراق , وآوباما هو الأخر اعترف بان ما قام به سلفه كان خياراً من عده خيارات أخرى معروضة , أي هو تصريح ضمني بخطأ المضي في هذا الخيار. في حين أننا نرى في المقابل أن بعض الأقزام من المشاركين في العملية السياسية الحالية كالمدعو مثال الآلوسي يعد الغزو بمثابة بشارة خير وخطوة ايجابية نحو تحرير الشعوب , وتصريحٌ كهذا في ظل واقع الحال لا تفسير له سوى أن من يتبناه هو شخص أصم وأعمى البصر والبصيرة , وآلا فكيف آن صرخات عشرات الآلاف من المعتقلين العراقيين في السجون وفي ظل ما أسموه بالتحرير لا يصل لأسماعهم , وكيف أن مناظر وصور اغتصاب الرجال والنساء لم تبصرها عيونهم , وكيف أن نصف الشعب العراقي بات اليوم يعيش تحت خط الفقر ليصفوه ببشارة خير ليتم فيها تحويل الشعوب من العبودية السياسية إلى عبيداً لأوجاع وآلام الجوع والإرهاب الفكري والمذهبي , أذاً على أمريكا آن تدفع ثمن أخطائها ما دامت مصرة على عنادها وغطرستها سواء أداخل المدن كانت آو خارجها , ما دام آوباما وأدارته لم يعترفوا صراحةً بعد بخطأ احتلالهم للعراق ولم يعتذروا للشعب العراقي على كل ما اقترفوه بحقهم من دمار وحرق وقتل وانتهاك لحقوق الإنسان , فقوات الاحتلال انتقلت من المدن إلى قواعد محصنه داخل البلاد لتكون منطلقاً لتدخلات عسكرية وعمليات قتالية أخرى , وليس كما يدعى بعض المسؤولين الحاليين الذين يحاولون أن يجملوا الصورة البشعة والمقززة لحقيقة اتفاقية الذل والإذعان التي أوهموا الناس على أنها تنص بتجميد النشاطات القتالية لقوات الاحتلال الأمريكي بعد الثلاثين من حزيران , في حين أن وزير الدفاع للحكومة الحالية قد صرح مؤخراً قائلا " بان الانسحاب الأمريكي خارج المدن لا يعني بالضرورة أن الحكومة الحالية لن تستعين بدعم وإسناد من قبل هذه القوات في آي عملٍ قتالي في حال طلبت الحكومة منها ذلك " وهذا التصريح هو أول السبيل للحقائق التي ستتكشف تباعاً والتي ستفند أكاذيب ما يسمى بالاتفاقية ونكتة الانسحاب خارج المدن بحجة التمهيد للانسحاب الكلي , فالحكومة الحالية بكافة أحزابها وتياراتها تعلم علم اليقين بان مصيرها معلق ومرتبط بواقع تواجد قوات الاحتلال على الأراضي العراقية , ولهذا فان موجة التفجيرات الإجرامية التي تزامنت مع فترة الانسحاب كانت توحي بتورط أحزاب سياسية حالية بها كانت قد رغبت في رسم صورة مفادها ضرورة بقاء وتواجد قوات الاحتلال لاستتباب الأمن والحفاظ على أرواح المدنيين , ولكن ضربات المقاومة العراقية المتتالية كانت اصدق وأعظم أنباءً من كيد ومكر هؤلاء , وهذا ما دفع أمريكا لتأكيد موعد انسحابها وأنها لن تشارك بعمليات قتالية بعد هذا في أكثر من مناسبة , وهي تصريحات حاولت أمريكا من خلالها أن تقلل وتحجم من عدد الضربات الموجعة التي تتعرض لها يومياً , فهنيئاً للمقاومة العراقية التي دفعت أمريكا للفرار خارج المدن , وهي خطوة أولى نحو التحرير الكامل والشامل لأرض العراق من زبانية الاحتلال وما خلفه بعده من أوضاع شاذة ومسخة وغير شرعية والتي ستزول بزوال الاحتلال بإذنه تعالى. |