| دراسة تحليلية   عدد القراء : 770   . الأمثال القرآنيـة عبد الرحمن فاضل مرّ علينا فيما سبق من الحلقات أمثلة من القرآن الكريم، وكما قلت آنفاً: إن البيئة المكية تختلف في وصفها عن الأمثال المدنية، ومثل حلقة اليوم من البيئة المدنية والذي يدور حول قضية مهمة جداً ألا وهي مسألة (العقيدة السليمة) وما دار حولها من شبهات المبطلين-فقال تعالى رداً على أهل الكتاب(إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ). في وجه المناسبة لهذا المثل، وهذه الآية الكريمة أن هذا المثل الجميل يقف بين السطور في اتساق لايأتي إلا من كتاب الله المجيد، فجوّ الاية يتكلم عن المحاورة مع أهل الكتاب من اليهود خاصةً حول قضية سيدنا عيسى عليه الصلاة والسلام، وماتقوّله عليه هؤلاء، وردّ الشبهات. والكلام هنا عن جزء من قصة طويلة تحدثت عن(آل عمران) وبنتهما(مريم)عليهم السلام، وأمر ولادة نبي الله عيسى ويروي المفسرون في سبب نزولها. أن هذه الاية نزلت عند حضور وفد نجران، وذلك أنهم قالوا لرسول الله(صلى الله عليه وسلم):(مالك تشتم صاحبنا؟ قال: وما أقول؟ فقالوا: تقول إنه عبد !! قال: أجل هو عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى العذراء البتول. فغضبوا، وقالوا: هل رأيت إنساناً قط من غير أب؟ فإن كنت صادقاً فأرنا مثله، فأنزل الله تعالى(إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ). ولنأت على النص القرآني لمعرفة المعنى؛ قال عز وجل:(إن مثل عيسى) أي: إن شبه عيسى وشأنه في كونه وجد من غير أب منتظم في سلك الغرابة. (عندالله) في تقديره وحكمه(كمثل إدم) في أن كلاً منهما إبداع من غير أب ومن غير، بل أمر آدم أعجب فإنه وجد من غير أب وأمّ. ثم فسّر هذا الشبه سبحانه بقوله:(خلقه) أي: قدّره وصوّره جسداً من غير جنس البشر، بل(من تراب) وهذه الجملة لا محل لها من الإعراب(ثم قال له كن فيكون) أي: فكان: وهذه حكاية حال ماضية كأنه سبحانه استحضر ذلك ليشاهده محمد(صلى الله عليه وسلم). فإن سأل سائل: كيف شبّه آدم وقد وجد بلا أمّ واب بعيسى وهو بلا اب فقط؟ والجواب: أنه مثله في أحد الطرفين، فلا يمنع المشابهة؛ لأن معنى المماثلة المشاكلة في بعض الأوصاف؛ ولأنه شبّه في أنه وجد وجوداً خارجاً عن العادة المستمرة، وهما بذلك يظهران؛ ولأن الوجود من غير اب ولا أم أغرب، وأخرق للعادة من الوجود من غير أب فقط فشّبه الغريب بالأغرب، ليكون ذلك أقطع للمخاصم، وحاسماً شبهته. إذن هذا المثل في حروفه هذه قد أدى دوراً كبيراً في إيصال المعنى الأتم لهذا الأمر الخطير من الشرك الخفي، وقولهم في عيسى ما لايصح في العقل السليم، وخاطب الذوق الفطري بالمنطق الفطري، واستنزل الحجة الصغرى بالحجة الكبرى، وبيّن أن سنة الإعجاز في الخلق يختلف عنه في الخلق العام من حيث التناسل. ويمكن حصر مواعظ هذا المثل بالاتي: 1- إشارة إلى السّر الإلهي العجيب في هذا الآدمي حيث جمع فيه بين الضدّين؛ نور وظلمة، روح وجسد، سماء وأرض، معنى وحسّ، فمن غلبت روحانيته على طينّيته التحق بالمقربّين، وكان في أعلى عليّين. 2- إن الله تعالى وليّ المؤمنين، ورسوله من خلال إرشادهم الى الحق. 3- تقرير إلوهبه الله تعالى دون سواه، وبطلان دعوى النصارى في تأليه عيسى عليه الصلاة والسلام. 4- تهديد لأهل الشرك من قبل الله تعالى، وهم الذين يعملون الفساد في الأرض. 5- في هذه الاية دلالة على صحة القياس، وهو دليل علمي. قال القرطبي:(دلّت هذه الايه على صحة القياس، والتشبيه واقع علماً أن عيسى خلق من غير أب كآدم، لا على أنه خلق من تراب. والشيء قد يشبّه بالشيء، وإن كان بينهما فرق كبير بعد أن يجتمعا في وصف واحد). (لطائف) في قوله تعالى:(خلقه من تراب) عبّر سبحانه بالتراب دون الماء والطين والحمأ؛ لأن التراب أغلب أجزائه، ولأن المقام مقام إظهار العجب، وإبداع ما أسكنه في التراب من العلوم الباهرة. كما أنه سبحانه جاء بحرف العطف(ثم) في قوله(ثم قال له) ليفيد الترتيب في الإخبار، كما أفادت(ثم) المنزلة الرفيعة؛ فإنه تكوين بأمر(كن) وهو أرفع رتبة من خلقه من تراب. قال بعض اهل العلم: المشاركة بين آدم وعيسى في خمسة عشر وصفاً؛ في التكوين، والخلق من العناصر، والنبوة، والعبودية، والمحنة، عيسى باليهود،وآدم بإبليس، وفي اكلهما الطعام والشراب، وفي الفقر إلى الله، وفي الصورة، وفي الرفع الى السماء والإنزال منها إلى الأرض، وفي الإلهام، عطس آدم فألهم قول(الحمد لله) وألهم عيسى حين خرج من بطن أمه فقال(إني عبد الله).
|