الإقتصاد في طاعة الله تعالى   عدد القراء : 1574   .

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه والتابعين، ومن تبعهم وسار على نهجهم إلى يوم الدين، وبعد:
فإن الإقتصاد في الطاعة مبدأ أصيل من مبادىء شريعتنا الغراء، به يحافظ المرء المسلم على كيانه وتوجهه، وبه يصان المرء من الانحراف الذي يجر إليه التطرف الذي نلمسه اليوم، ونراه على أوضح وأبهىصوره في عدد من بلدان العالم، فعن سيدتنا عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها، فوجدعندها امرأة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة من هذه؟ فقالت: امرأة، لا تنام، تصلي(وبدأت السيدة عائشة رضي الله عنها تذكر من كثرة صلاتها) فقال النبي صلى الله عليه وسلم:( عليكم من العمل ما تطيقون، فو الله لا يمل الله حتى تملوا).
ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطط لأصحابه، بل لكل فرد من أفراد أمته إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها برنامجاً بكل تيسير، لا تعقيد فيه ولا تعجيز حتى يستطيعوا أن يواصلوا العمل لدنياهم وأخراهم؛ لان الله تعالى كما يقول عن نفسه في قرأنه((لا يكلف الله نفساً إلا وسعها)).(البقرة: 286).
ولهذا أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن يقتصدوا في العبادة، فقد جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة المصطفى صلى الله عليه وسلم، فلما اخبروا بها، كأنهم تقالوا(أي عدوها قليلة)، وقالوا: أين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟ فقال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبداً وقال آخر انا أصوم ولا أفطر... وقال الآخر: وأنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدأ...
فجاء النبي صلى الله عليه وسلم إليهم، فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن يرغب عن سنتي فليس مني.
وقد دخل النبي صلى الله عليه وسلم المسجد، فإذا بحبل ممدود بين الساريتين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما هذا الحبل؟ فقالوا هذا حبل لزينب، فإذا فترت(أي سكنت عن القيام عن الصلاة) تعلقت به. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( (حلّوه.. ليصلّ أحدكم نشاطه، فإذا كسل أو فتر فليقعد)).
وقد فهم الصحابة الكرام رضي الله عنهم هذا المعنى وأدركوا عواقبه في هدم الدين، فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم آخى بين سلمان الفارسي وأبي الدرداء، فزار سلمان أبا الدرداء، فرأى أم الدرداء متبذلة(أي تلبس ثوباً ممتهناً ليس فيه زينة وجمال). فقال: ما شأنك؟ فقالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا، فجاء أبو الدرداء فصنع لسلمان طعاماً (إكراماً له) فقال له: كل فإني صائم.. فقال سلمان ما أنا بآكل حتى تأكل، فأكل.. فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء ليصلي، فقال له سلمان: نم، فنام، ثم قام مرة أخرى ليقوم الليل، فقال له سلمان: نم، فنام، فلما كان آخر الليل، قال سلمان: قم الآن، فصليا جميعاً، فقال سلمان لسيدنا أبي الدرداء: إن لربك عليك حقاً، وان لنفسك عليك حقاً، ولأهلك عليك حقاً، فأعطي كل ذي حق حقه. ثم أتى أبو الدرداء رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له.. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( صدق سلمان)).
ولقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن العبرة ليست بكثرة العمل، ولكن بالمداومة عليه وان قلٍّ؛ فقد روي عن أبي ربعي حنظلة بن الربيع الأسدي كاتب الرسول انه قال: لقيني أبو بكر الصديق رضي الله عنه، فقال كيف أنت يا حنظلة؟ قلت: نافق حنظلة(أي يخاف على نفسه من النفاق) فقال أبو بكر رضي الله عنه: سبحان الله، ما تقول؟ فقال حنظلة: نكون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر بالجنة والنار فكأنا نراهما رأي العين، فإذا خرجنا من عنده عافسنا الأزواج والاولاد والضيعات(أي مارسناها) فنسينا كثيراً مما قاله لنا، فقال له أبو بكر: فو الله أنا لنلقى مثل هذا.. يقول حنظلة: فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت نافق حنظلة يا رسول الله! فقال رسول الله عليه السلام: وما ذاك؟ قلت: يا رسول الله.. نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة كأنا نراهما رأي العين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الازواج والاولاد.. فنسينا كثيراً، فقال المصطفى صلى الله عليه وسلم:((والذي نفسي بيده لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة)) أي: ساعة لأداء العبادة، وساعة للقيام بما يحتاجه الإنسان في أمور حياته.
وهناك ملاحظة هامة أود أن أذكر بها الأخ المسلم، وهي: انك إذا كنت مشغولاً أو متعباً بأمر من الأمور الدينية أو الدنيوية أو المعيشية، ولم تستطع فعل ما اعتدت فعله في وقت محدد، فأنك تستطيع تدارك هذا، فتؤديه في وقت فراغك، وبالنية الصادقة فأنك لن تحرم الأجر إن شاء الله.
وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج في غزوة تبوك، فقال:((إن بالمدينة لرجالاً ما سرتم مسيراً، ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم، حبسهم المرض)).
فما علينا إلا أن نتذكر هذه المعاني والاشارات المباركة الصادرة من المصطفى صلى الله عليه وسلم الذي لا((ينطق عن الهوى، إن هو إلاّ وحيُ يوحى)) (النجم:3-4). وذلك من أجل أن لا نكون من اولئك الذين يتكلمون على كثرة أعمالهم، أو الذين يظنون أن الاعمال كل شيء، مع انه من المفروض أن لا يتكل الانسان على  عمله فحسب، بل عليه أن يعتبر نفسه مقصراً في طاعة الله سبحانه وتعالى مهما بلغت اعماله الصالحة.
وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه:((لا يدخل أحدكم الجنة بعمله، قالوا: ولا انت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا ان يتغمدني الله منه برحمة وفضل)).